شروق الشمس... مشروع الإقطاعية الرقمية في قطاع غزّة
فلسطينيون يسيرون بين المباني المُهدّمة في جباليا شمالي قطاع غزّة (10/1/2026 فرانس برس)
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سبتمبر/ أيلول الماضي (2025) خطته للسلام لوقف "الحرب" في قطاع غزّة وإعادة إعماره وتنظيمه سياسياً. تضمّنت الخطة 20 بنداً مقسّمةً بين مراحل، وشكّلت الموافقة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) على المرحلة الأولى منها دخول وقف إطلاق النار حيّز النفاذ، فتوقّفت الحرب نظرياً على الأقل. وقد جاءت هذه الخطّة بعد عاميَن ونيّف من إبادة جماعية ممنهجة مورست ضدّ القطاع، تضمنت إبادات من النوع الإنساني والثقافي والحضري والبيئي. قطاع غزّة الذي استُخدمت في أرضه وسمائه أعتى أنواع الأسلحة وأكثرها تطوّراً، دُمّر اليوم بشكل شبه كامل، وشكّلت ساحته مختبراً، ليس للأسلحة فائقة التطوّر فقط، ولا سوقاً تسويقيةً لقدرتها التدميرية العالية وحسب، بل أيضاً مختبراً للنظريات السياسية والأشكال المُستحدَثة من الاستعمار.
يشكّل مشروع "شروق الشمس"، المطروح من صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، ومعه مبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الذي تلقّفته صحف عالمية، وفي مقدمتها وول ستريت جورنال في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أحد المشاريع الترويجية لإعادة إعمار قطاع غزّة، وتحويله وجهةً سياحيةً فارهةً قوامها التكنولوجيا المتقدّمة. فمن المشروع المذكور إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" تدور تصوّرات الإدارة الأميركية بشأن تحويل القطاع منتجعاً سياحياً تُمحى فيه كيانيّة الغزّيين باعتبارهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، وتعيد موضعهتم أفراداً من دون أيّ حقوق، وفي مقدّمتها الحق في تقرير المصير، وتُصّدر مأساتهم الحالية أزمةً إنسانيةً تُعالج بعبوات الزيت وأكياس الطحين، أي العودة إلى المربع الأول قبل أكثر من 70 سنة، حين عومل الفلسطينيون المُهجّرون إثر النكبة، لاجئين معوزين مُنحوا مساعداتٍ إنسانيةً من المجتمع الدولي. ... ستقدم هذه المطالعة تصوّراً للنظام الجديد المُراد إرساؤه في القطاع، باعتباره إقطاعيةً رقميةً تُخصخص فيها السيادة من خلال خطط إعادة الإعمار، وتُدار فيها حيوات الناس عن بُعد بنقرة زر.
"بارقة الأمل" المتسلّلة إلى الواقع الغزّي، المثقل بالرماد والركام والدم، هكذا يُروَّج المشروع الأميركي "شروق الشمس" الذي ستبلغ تقديرات كلفته المالية حوالي 112 بليون دولار، وتتحمّل الولايات المتحدة نحو 20% من تكاليفه مع عوائد مستقبلية تعود بالنفع المالي المُجزي على واشنطن. يتضمّن المشروع خططاً زمنية لإعادة إعمار قطاع غزّة، وتحويله مدينةً ذكيةً ووجهةً سياحيةً فارهة، حيث ناطحات السحاب الزجاجية، والبنية التحتية الذكية، وشبكة المواصلات المتطوّرة، فيما يُعاد تدوير ركام غزّة في مشاريع التطوير والإنشاء الحضري، وستصبح مدينة رفح مركزه السياسي والحكومي الجديد بدلاً من مدينة غزّة، دلالةً على العهد الجديد والقطيعة مع ما يتّصل بالماضي.
يتضمّن المشروع خططاً زمنية لإعادة إعمار قطاع غزّة، وتحويله مدينةً ذكيةً ووجهةً سياحيةً فارهة
المشروع، الذي استُعرض في جلسة مغلقة سادتها الأجواء التسويقية والترويجية لمشروع تجاري، تحدّث عن الفرص الاستثمارية والأحلام الموعودة في يوتوبيا غزّة، في حين غفل تماماً عن الغزّيين وموقفهم من المشروع، وأسقط تماماً حقائق الاحتلال الإسرائيلي للأرض، وانتهاك السيادة الفلسطينية، كما لا يُبدي المشروع أيَّ اعتبار للدماء المسفوكة، وكيفية إعادة تأهيل الإنسان الغزّي بعدما أثقلته عذابات الإبادة، ويتغاضى تماماً الحديث عن تحقيق العدالة، والمساءلة القانونية، وحقوق الإنسان، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو بذلك يتّسق تماماً مع الرواية التي تُصدرها أميركا وإسرائيل، بأن الوضع الحالي في قطاع غزّة لا يعدو أكثر من ملف "أزمة إنسانية" يستلزم الإدارة، وليس مشكلةً سياسيةً تحتاج إلى حلّ سياسي قوامه حق الغزّيين/ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. لذلك كلّه، مشروع "شروق الشمس" في جوهره أكثر من خطة عقارية، وهو أشبه ببيان استعماري تكنولوجي، فيُعاد إنتاج استعمار القرن الحادي والعشرين من خلال الأدوات الرقمية والتصميم الحضري، وتحلّ رؤى إعادة الإعمار المرتكزة على التكنولوجيا محلّ الدبلوماسية التقليدية ومفاوضات السلام وتطبيق قواعد القانون الدولي، لتصبح غزّة نموذجاً عملياً لكيفية دمج رأسمالية التكنولوجيا العالمية في مناطق النزاع.
وتُعدّ ممارسات إعادة الإعمار بعد الحرب، في جوهرها، عملية إعادة تنظيم سياسي، إلا أن مشروع "شروق الشمس" يختلف عن أنشطة التخطيط العمراني التقليدية، فهو يعتبر قطاع غزّة صفحةً بيضاء، وقد خلا من جميع طبقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية، ويلتقط "الفرصة" التي أوجدتها الإبادة وسيلةً حداثيةً عقلانيةً لإعادة تشكيل الواقع وفق رؤىً محدّدة، فالمشروع في كنهه يرفض واقع القطاع الحالي وبنيته الديموغرافية، ويقترح بدلاً من ذلك خيالاتٍ من مدينة ذكية مستقبلية مفروضة من الخارج ومُطهَّرة من السكّان المحليين.
يتعامل هذا النهج مع الدمار في القطاع استمراراً لاستراتيجية الإبادة الحضرية (Urbicide) وفرصةً استثماريةً مغريةً، إذ يجري ترويج مفاهيم برّاقة مثل "المدينة الذكية" و"رفح الجديدة"، والتي تُستخدم جميعها للتغطية على العنف العسكري والتشريد والهجرة القسرية للغزّيين، شكلاً من أشكال تبييض الفضاء المكاني (Whitewashing of space) تمهيداً لإحلال الرواية التي تُفضلها أميركا - إسرائيل على الفضاء الغزّي، محاولةً للتغطية على الدمار من خلال الهندسة المعمارية "الخضراء" و"الذكية" و"المستدامة" بهدف تنظيف مسرح الجريمة من الحقائق التاريخية والإنسانية والنفسية التي أوجدتها الإبادة.
يُعرّف نموذج الدولة القومية الحديثة الأفرادَ مواطنين يتمتّعون بالحقوق، إلا أن النموذج المُراد تطبيقه في قطاع غزّة يختزل الفرد إلى مجرّد بيانات، أو مستخدم يخضع للإدارة والمراقبة. يُحوّل مشروع "شروق الشمس" البنية التحتية الحضرية إلى نظام مراقبة رقمي شامل. وبذلك يطرح المشروع شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار، وهو الاستعمار التكنولوجي، وقوامه استخدام التقنيات الرقمية والبنى التحتية للبيانات، لفرض الهيمنة بطريقةٍ تنتهك سيادة الشعوب، ويتحوّل قطاع غزّة إقطاعيةً رقمية، تُحوّل فيها الاحتياجات البيولوجية الأساسية إلى أداة للابتزاز، ويصبح مسح الوجه والبيانات البيومترية من الفلسطينيين في نقاط توزيع المساعدات الإنسانية شرطاً للحصول على الغذاء، أي باستخدام الجوع سلاحاً بيولوجياً، إذ يرتبط حق الفرد في البقاء في قيد الحياة بموافقته على "تسجيل الدخول" إلى النظام ومشاركة بياناته، وهو ما يعتبر تجسيداً لاستبدال حقوق المواطنة بصلاحيات المستخدم التي يحدّدها مسؤولو النظام.
إعادة إعمار قطاع غزّة ليست معماراً، بل نضالٌ من أجل الملكية والذاكرة والكرامة
ويظهر نموذج الاستعمار الجديد في قطاع غزة بنيةً هجينةً تندمج فيها اللغة التكنوقراطية لحلّ المشكلات مع الاستراتيجية العسكرية، إذ تُحلل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي مثل "Red Wolf" و"Blue Wolf" البيانات المُجمعة من الميدان لتوليد آلاف الأهداف في ثوانٍ، رابطةً قرار الإعدام بخوارزمية، وهو ما يعتبر تحويلاً لمفهوم "سياسة الموت/ النكرووية" للفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي إلى عملية آلية مدفوعة بالتكنولوجيا، ويعني هذا المفهوم حَشر بعض السكّان غير المرغوب فيهم في فضاءاتٍ معيّنةٍ مؤقتةٍ وعسكريةٍ مثل المخيمات، لإدارتهم وإخضاعهم لحالة دائمة من العيش في الألم ليتمّ التحكّم بهم ومضايقتهم وربما قتلهم، وبذلك تمارس الدولة الاستعمارية سيادتها من خلال تحديد أولئك الذين لهم الحق في الحياة، وأولئك الذين يجب أن يموتوا/ يُقتلوا، أو تُهيّىء لهم الظروف المؤدّية إلى الموت وتطويع التكنولوجيا خدمة لهذا الهدف في حالة قطاع غزّة.
من جانب آخر، يعتبر مشروع "شروق الشمس" كذلك تحويلاً للبنية التحتية للمدينة الذكية أداةً للعنف البنيوي، فرقمنة شبكات المياه والكهرباء وإمكانية التحكّم بها عن بُعد تمنح السلطة السيادية سلطة ترك قطاع غزّة بأكمله في ظلام دامس، ومن دون ماء بضغطة زر واحدة، من دون الحاجة إلى حصار فعلي، وهو ما سيجعل الاستعمار "غير تلامسياً" أي بإخفاء هُويّة مرتكب العنف في نموذج السجن الذكي هذا، إذ تُستبدل الخوارزميات بالحرّاس، وتتحوّل الجدران المادّية حدوداً رقميةً غير مرئية.
يكشف نموذج المدينة المراد تطبيقه في قطاع غزّة عملية استبدال سيادة الدولة التقليدية بشركات التكنولوجيا العالمية ومطوّري العقارات، باعتباره تطبيقاً كارثياً لمنطق "المدينة المستقلة (Charter City) الذي جُرِّب في مناطق مختلفة من هندوراس إلى أفريقيا لجذب الاستثمارات الأجنبية، في حين لن تُتخذ قرارات إعادة الإعمار من الغزّيين، بل من نخب تكنوقراطية تُدير الخوارزميات ورأس المال، وتتعامل مع القطاع وجهةً استثماريةً للمال الأجنبي لا أكثر.
يوتوبيا المدينة الذكية في قطاع غزّة هي في الواقع ديستوبيا رقمية تُنذر بمستقبل البشرية المرعب
سيُمثل القطاع نقطة تحول في النظام العالمي الجديد، باعتباره بروفة لكيفية سيطرة النظام العالمي على السكّان الذين يعتبرهم غير مرغوب فيهم أو تصعب إدارتهم في المستقبل. إذا نجح هذا الشكل الكارثي للحكم (حيث تُعلَّق الديمقراطية، وتُحوَّل السيادة إلى شركات، وحقوق الإنسان إلى اتفاقات المستخدم) فمن المحتمل أن يصبح نموذجاً تطبيقياً لمناطق النزاعات الأخرى في العالم التي تُحتل وتُستعمر من قِبَل دول ذات سيادة، أو للمناطق التي تُخطط فيها الأنظمة الديكتاتورية/ الاستبدادية لإبقاء المعارضين تحت المراقبة والقمع.
تتجاوز النقاشات حول إعادة إعمار قطاع غزّة أنها مشروعٌ معماريٌّ أو اقتصادي؛ فهي نضال من أجل الدفاع عن الملكية والذاكرة والكرامة الإنسانية. يُعدّ مشروع "شروق الشمس" مبادرةً استعماريةً تُغَرِّب شعباً في أرضه، وتُجرِّده من ممتلكاته وتاريخه وثقافته، وتُخضعه لسيطرة رقمية. ينتهك هذا المشروع "الحق في المدينة"، وهو المفهوم الذي طرحه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، هنري لوفيفر؛ الذي يعني حق الأفراد في استخدام المدينة والتأثير في صنع قراراتها وتشكيل مستقبلها بدلاً من سيطرة الأجنبي أو الشركات على الفضاء المكاني، فيما يصبح هذا الحق أكثر إلحاحاً في السياق الاستعماري، باعتباره أداة لمواجهة الإقصاء الممارس من الاستعمار الاستيطاني وتحكمه بالفضاء الحضري الذي يُستخدم فيه التخطيط الحضري أداةً استعماريةً، فيما يضيف مشروع "شروق الشمس" بُعداً إضافياً لهذا التحكّم من خلال نسج قضبان استعمار تكنولوجي رقمي حول قطاع غزّة.
يستوجب هذا المشروع من الأوساط الأكاديمية والسياسية قراءته لا مجرّد مقترح عقاري تقني، بل مرحلةً جديدةً ومُرعبةً للتدمير المكاني والاستعمار. ... يوتوبيا المدينة الذكية في قطاع غزّة هي في الواقع ديستوبيا رقمية تُنذر بمستقبل البشرية المرعب.