شروخ فرنسية عميقة

24 نوفمبر 2025
+ الخط -

صدرت قبل ايام في فرنسا النسخة الثالثة عشرة من نتائج المسح الإحصائي الدوري، الذي يُشرِف على إنجازه مركزان مرموقان، هما مؤسّسة (وقفية) جون جوراس ومعهد مونتانيو. على المستوى المنهجي، شملت الدراسة عيّنة من ثلاثة آلاف مواطن فرنسي تجاوزت أعمارهم 18 عاماً. جرى استجوابُهم من خلال التطبيقات الإحصائية المعتمدة ذات المصداقية العالية في الإنترنت، فضلاً عن احترام المتغيّرات المهمة على غرار السنّ والمهنة والجنس ونمط التجمّعات السكنية والجهة... إلخ. وعلى خلاف المرّات السابقة، أثارت النتائج جدلاً علمياً وسياسياً حادَّيْن، سواء بين النُّخب الفرنسية والرأي العام هناك عموماً، أو حتى بين متابعي الشأن الفرنسي من الخارج خصوصاً، والنتائج تُنشَر في سياق فرنسي يتّسم عموماً بمتاعب جمّة، لعلّ منها محاولات حجب الثقة عن الحكومة واستقالة رئيسها قبل تراجعه، وسجن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قبل إطلاق سراحه الشرطي، إذ لا يزال محلَّ تتبّع من المحاكم في قضايا عديدة، وتراجع الثقة في النُّخب السياسية اليمينية تحديداً، وتصاعد نفوذ اليسار الراديكالي... إلخ. وعلى الصعيد العالمي، ظلّت مكانة فرنسا تتراجع، سواء في مجال الاقتصاد لفائدة غريمتها ألمانيا أو الولايات المتحدة، علاوة على تبعيّتها المتنامية في مواقف من القضايا الدولية لواشنطن، إذ يعتبر بعضهم فرنسا فقدت صوتها ولم تعد قادرةً على إسماعه، فضلاً عن فرضه أو حتى مجرّد إقناع الآخرين به.

تعود الثقة في مؤسّسات الاتحاد الأوروبي لتشهد ارتفاعاً ملحوظاً مقارنةً بالسنوات الفارطة، في حين ظلّ التراجع في الثقة بالأحزاب والبرلمان مزعجاً

كان العنوان الأكثر تواتراً لنعت تلك النتائج في مختلف الأوساط الإعلامية، وحتى العلمية، هو الشروخ الفرنسية الكبرى، أي التصدّعات التي تشقّ المجتمع الفرنسي إلى حدّ الصداع الحادّ، ولعلّ بعضاً منها مزمن، وهو أمر ليس وليد الفترة الراهنة، بل يعود إلى عقود خلت، ولكن حدّة هذه التصدّعات هي التي قد تكون غير مسبوقة. هناك عدّة نتائج انتهت إليها هذه الدراسة المسحية، ولكن ما أثار الجدل بشكل خاص ثلاث مسائل يدور جلّها حول تمثّلات الفرنسيين وتصوّراتهم ذواتهم وبلدهم، فضلاً عمّا ينطبع في قناعاتهم ومواقفهم بشأن محيطهم. ولعلّ أهمها الانطباع السائد الذي يتعمّم تدريجياً بأن مكانة فرنسا تتراجع، وأن بلدهم ينهار بشكل غير مسبوق، ويبدو أن نسبة من عبّروا عن هذا الإحساس عُدَّت عاليةً، وهي غير مسبوقة. بيد أن الأمل في التدارك يرتفع تدريجياً، وهذا ما يؤكّد أن الأمل غير مفقود، بل على خلاف ارتفاع نسبة الأصوات التي تُقدِّر أن فرنسا تتقهقر بشكل مريع. ثمّة إحساس بأن عظمة فرنسا تتآكل وتتبدّد بشكل غير مسبوق. تُرافق هذا الإحساس مشاعر الاستياء العام، ذلك أن نحو 95% يشعرون بأن أحوال بلدهم تسوء بشكل سافر، وهم أقرب إلى التعبير عن مشاعرهم بالاحتجاج على غرار المظاهرات والإضرابات... إلخ، حتى يُسمع صوتهم وتعمل السلطات على تفادي مزيد من الاحتقان.
أما مواقف المواطنين، التي عبّروا عنها تجاه أحوالهم هم أيضاً، فتبدو خليطاً من الرضا والغضب واللامبالاة وعدم القدرة على اتخاذ موقفٍ واضحٍ ودقيق، وهو أمر ظلّ متواصلاً، وبشكل ثابت تقريباً، منذ سنة 2023. إذ تتقارب مستويات الرضا وعدم الرضا، رغم أن الشرائح التي هي أقلّ من 35 سنة تتّسم بالغضب والاستياء العميق ممّا تعتبره وضعاً متردّياً يشمل معاشهم بشكل خاص، فلم يعد يُطاق. وهو ما يؤكّد هذا الغبن الشبابي الذي ظلّ في فرنسا منذ ثورة الشباب سنة 1968. إنها فرنسا الشابّة التي ظلّت دوماً متمرّدةً وروحها لم تسكن بعد. كما يتزامن هذا الشعور العام مع المرتبة التي يرتئيها الفرنسيون لأنفسهم في السلّم الاجتماعي، وهي عادة الانتماء إلى الشرائح الوسطى، رغم ما تشعر به شرائح عديدة من انحدارها إلى أسفل السلّم الاجتماعي الذي أصبح جاذباً لهذه الطبقات الوسطى أكثر من أي وقت. وذلك ما يؤكّد هذا الشرخ الاجتماعي الحادّ الذي قد لا تبرهن عليه بشكل قاطع الوقائع، ولكن المدركات والمشاعر والصور تُثبته.
الملاحظة الثانية التي شدّت الانتباه الثقة التي يمنحها الفرنسيون للآخرين، أو ما يعرف بالثقة الاجتماعية (دوائر الصداقة والأجوار والزمالة... إلخ)، إذ تظلّ النسبة مستقرّةً عمّا نُشر في السنوات الفارطة، إذ إن هناك ميلاً طفيفاً إلى الحذر والتحوّط. أما في المؤسّسات الوطنية، على غرار الأحزاب والبرلمان، فإن التراجع ظلّ مزعجاً، في حين (وعلى خلاف ذلك) تعود الثقة في مؤسّسات الاتحاد الأوروبي لتشهد ارتفاعاً ملحوظاً مقارنةً بالسنوات الفارطة. تتشكّل هذه الصور والتمثّلات في ظلّ ارتفاع مشاعر الخوف من العنف الذي يراه الفرنسيون في جلّهم قد بلغ درجات لا تُطاق. يعبّر أكثر من ربع الفرنسيين عن تجاربَ مزعجةٍ لغياب الطمأنينة والأمن الاجتماعي، لذلك ثمّة ميل إلى تبرير العنف وسيلةً ماردةً للدفاع عن الذات في حالات قصوى من تعرّضهم للعنف.

يعتقد أكثر من ثلثي الفرنسيين أن مشاعر العنصرية لا تزال منغرسةً وبقوة في مجالات العمل والمدرسة والإدارة والمؤسّسات والإعلام

المسألة الثالثة، في اعتقاد كاتب هذه السطور، قيم الفرنسيين ومشاعرهم. فلقد حازت قدراً كبيراً من هذا "المسح"، إذ تقف المؤشّرات على ميل جارف إلى قيم الماضي فيما يشبه الحنين الجارف، بما فيها النُّخب السياسية التي تعتقد أن هذه القيم بالذات لا تزال ملهمةً لهم. تتوسّع مشاعر الشعبوية في أوساط ممتدّة من الرأي العام الفرنسي، إذ يبحث جلّ الفرنسيين عن زعيم قوي في استطاعته إنقاذ بلدهم، باستثناء طبعاً منتمٍ إلى أحزاب اليسار. في مثل هذه المناخات من عدم الطمأنينة يُعبّر ما يناهز الثلثين من المستجوبين بأنهم ما عادوا يشعرون أنهم آمنون في وطنهم، بل إن الآخرين يضايقونهم في بلدهم حتى غدوا غرباء فيه. يعتقد أكثر من ثلثي الفرنسيين أن مشاعر العنصرية لا تزال منغرسةً وبقوة في مختلف الشرائح والمجالات الفرنسية: عمل، مدرسة، إدارة، مؤسّسات، إعلام... إلخ. لذلك ما زالت مشاعر الإسلاموفوبيا مرتفعةً، إذ يقدّر الفرنسيون أن ثلاثة أرباعهم يعتقدون أن مشاعر الإسلاموفوبيا منتشرةً في فرنسا. وهي مشاعر تشمل أيضاً الخوف من الهجرة والمهاجرين الذين يُنظر إليهم خطراً يُفسد عليهم صفاء هُويَّتهم الوطنية. لذلك لا نستغرب أن أقلّيةً فقط لا تتجاوز الربع تعتقد أن الإسلام يمكن أن يواِئم قيم الفرنسيين، مقابل ثلاثة أرباع منهم يعتقدون أن الكاثوليكية أو اليهودية قابلةٌ للمواءمة بينها وبين قيم المجتمع الفرنسي. إنها شروخ عميقة قد تهدّد تماسك المجتمع الفرنسي مستقبلاً إذا ما تواصلت.

7962F3C9-47B8-46B1-8426-3C863C4118CC
المهدي مبروك

وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي.