شرفٌ أن تقول ما يجب قوله
(كمال بلاطة)
لم يعد في العمر أيّ متّسع لأيّ "كأن" أو "كأنه هو" أو "تشابه الأمر علينا". لم يعد في العمر بقيةٌ لمراوغات الكلام أو لاقتناص اللفظ الهارب، كي نخرج من الدنيا بلا أذى، بعدما صار الأذى ملء الحجور والمدى.
امتلأت الصفحة بالدلالات المفضوحة، بعد ما قرعنا اليقين مرّاتٍ، وما زلنا نستظلّ بالهروب من خلال الدلالات، والبديهيات واضحة وترقص أمام أعيننا في الموالد وتزغرد وتركب "المراجيح" مع أطفالنا. البديهيات تضحك علينا، لأنها تمتلك الطريق الواحد والثقة الواحدة بلا أية ظنون أو شكوك.
طريق واحد للبديهيات في كل حقل، ذلك الطريق الذي يجب على الأقل تلمّسه في وسط الصحاب. صحيحٌ أن الأغلبية المنكسرة، بعد سحقها بلقمة العيش وبأشياء أخرى أشدّ قسوةً وألماً من لقمة العيش، تبيح لنفسها قول القولين معاً وبتعاريج وجه مختلف عن الآخر في كل قول، فتتعجّب على تلك "الشعرة" التي تأكل العمر هكذا من دون أن نكون "نحن" في كل قولٍ نقوله وبأي ملامح استطعنا استعارتها ولو ثانيةً أو أقلّ منها.
هذا العمر الهدية كيف نبيعه خوفاً لاحتمالين: احتمال الخوف من السلطة المهيمنة على لقمة العيش، واحتمال أن يصيبنا الأذى، والأذى قد أصاب ناساً كثيرين بالقتل أو السجن أو طبخ القوانين والمجالس التشريعية على عجل، حتى إن آخر ما أهداه جمال عبد الناصر لليتماء الفقراء، الحق في الإيجار للمسكن، قد بات في مهبّ الريح. والغريب أن من يتغنّى بعبد الناصر من أبناء الفقراء من ستين سنة لم يفتح فمه، وفي مقدمهم مصطفى بكري وعبد الحليم قنديل، فهل يسكن مصطفى أو عبد الحليم الآن على نهر الدانوب وقد تركا آخر ثوب لعبد الناصر في البحر؟
لسنا أمام أزمة ضمير فقط، بل أمام محوه تماماً من الجدول، وعليك أن تذهب إلى عملك صباحاً متغنّياً بالإنجازات الواضحة والكاشفة، ثم تدلي بصوتك على أسماء لم تعرفها، وتحكي ليلاً عن الملايين الذين أدلوا بأصواتهم في الخارج للمرشّحين، رغم أنك أنت الذي في الداخل، ولم تسكن على نهر الدانوب، وكل يوم تشتري الفول والطعمية، لم ترهم من قبل، ولم تعرف أبداً من سيرتهم شيئاً، ولا ترى في صورهم سوى الدهانات و"الجل" والعدسات، ولا تعرف البطل الشعبي "ميدو مشاكل" أبداً، خليفة أدهم الشرقاوي في ربوع أوروبا، واضحٌ أننا لم ولن تشاهد نهر الدانوب في فيلم ما ولن تشاهده.
هل بقي في العمر من متّسع كي تداري القول، نحن جميعاً في أزمة نفسية وسياسية لم يمرّ بها أحد قبلنا، ألا تعرف من أين أتى هؤلاء المرشّحون بسياراتهم أو طائراتهم، وأين يذهب أغلبهم بعد الدورة التي نالها، خصوصاً وأن شخصاً بالأمس جلس بجواري، يهلّل لأنه انتهى من ساعة لعمل فيش الترشّح بوزارة الداخلية، وبعد يومين سيسدّد 30 ألف جنيه للمحكمة. وبالمناسبة، المرشّح الذي كتب اسمه أولاً ووقع الفيش يلبس خاتمين، تأمّلت الخاتمين وقلت لنفسي سأشهد أنني أعرف أول مرشّح مستقل يلبس خاتمين وسيدفع بعد يومين، ثلاثين ألف جنيه، للحكومة. وتذكّرت صديقاً كان شاعراً وكفّ عن الشعر من ثلاثين سنة، بعدما أطال شعره واشترى حصانين وبيانو، وفجأة رأيتُه في انتخابات رئاسة الجمهورية أيام المرحوم محمد مرسي، ولم يحصل على شيءٍ من الأصوات، وإنْ كان في ما بعد قد باع الحصانين واستبقى على البيانو لأحفاده وانقطعت سيرتُه تماماً حتى الشعرية.
هل كان لا بد من أن يعيش الواحد كل هذه السنوات يضحك على الأوضاع، ابتداء من طربوش المرحوم أحمد الصباحي حتى خاتمي أول من عمل "فيشاً" للترشّح في وزارة الداخلية، وبعد يومين سيسدّد للمحكمة مبلغاً يعجز البسطاء، مروراً بالطبع بشاعرٍ كان مسكيناً، وأصبح لديه بيانو وحصانان، وأنت تستمع لنداءات الناس في دكان الفول والطعمية، ولا تعرف أين يذهب من وصل إلى المقعد بعد ذلك... هل يسافر كل من يصل إلى المقعد مع أسرته إلى الدانوب، أو إلى بنها كما يفعل قنديل وبكري؟ فهل تقدّم مصطفى بكري بأوراقه، وهل ما زال عبد الحليم قنديل يتأمّل قسوة قانون الإيجار القديم من بلكونته، سواء أكانت في "بنها العسل"، أم على نهر الدانوب بجوار بلكونة اللاعب ميدو مشاكل؟
لماذا في كل مرّة، كلما اقترب الواحد من المأساة، وجد نفسه يضحك مرّة أخرى؟ فلماذا لا يشتري الواحد حمارين وبيانو أو حتى بغلين وبيانو، ويترشّح نيابة عن هؤلاء الفقراء؟