شاورما بلا زبائن

24 يناير 2021
الصورة

مطعم شاورما ستالين في موسكو (8/1/2021/ Getty)

+ الخط -

لئن كانت علكة "شكلتس" وبنطال "جينز" سببًا في انهيار الإمبراطورية السوفييتية الأولى، أواخر القرن العشرين، فإن سيخ شاورما كان سبب الانهيار الثاني للإمبراطورية نفسها في القرن الحادي والعشرين. هذا ما برهنته حادثة افتتاح أحد المهووسين بحقبة الاتحاد السوفييتي المنهار مطعم شاورما في موسكو، عندما ظنّ أن مجرّد إطلاق اسم ستالين على مطعمه كفيلٌ بإنجاح مشروعه، واستقطاب أعداد وفيرة من "زبائن" العهد البائد، غير أن النتائج جاءت أوخم مما يعتقد، فلم يكتف الزبائن بالمقاطعة، بل ثارت ثائرتهم على المطعم وصاحبه، حدّ أن عمدت السلطات الروسية إلى إغلاق المطعم.
قد تبدو حادثة الشاورما واهية في أذهان غير المتعمّقين في "طبائع الاستبداد"، و"مصارع العباد"، بيد أنها مثقلةٌ برسائل غفيرة "غير مشفّرة"، إلا لزبائن الاتحاد السوفييتي السابق من اليساريين العرب الذين ما زالوا على استعدادٍ لارتياد مطعم الشاورما المغلق نفسه.
كان الانهيار الأول مفجعًا لكثيرين من ذوي القلوب المعلقة بالحكم الشمولي؛ إذ كان كل من يزور الاتحاد السوفييتي الأول من "الزبائن" يغضّ الطرف عن ذلك الانسحاق الواضح على ملامح شعوبه، ولا يكلّف نفسه عناء التساؤل عن الأسباب الحقيقية لهذا الانسحاق؛ وإنْ فعل فإنه يعزوها إلى سطحيّة التفكير الشعبي اللاهث وراء بنطال الجينز الغربي الذي كان حريًّا به أن يقدّس ما توفره الدولة السوفييتية له من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وصحة بالمجّان، والأهم ما توفّره من حاضنةٍ للحركات والأحزاب والأنظمة الشيوعية العالمية. غير أن هؤلاء "الزبائن" الذين يأتون بزيارات عاجلة وموجّهة كانوا يتغافلون عما تخفي ملامح القهر الغائر في عيون البشر المبرمجين على الريموت كونترول، وعما يحدث خلف أسوار السجون الشائكة في معتقلات "كي جي بي" وصحاري سيبيريا الجليدية. لم يكونوا يعيرون التفاتًا إلى المواطن السوفييتي المتيبّس على طوابير الخبز اليابس، المواطن الهارب من ظلّه، والمسكون برعب الجدران المزروعة بأجهزة التنصّت، المواطن الذي لا يتجرأ على تجاوز خطّ الحياة المرسوم له من المهد إلى اللحد، المواطن المختون بنزع الإرادة منذ الولادة.
ثم جاءت الصدمة، عندما بلغ فائض الكبت حدوده القصوى، فانهارت الإمبراطورية في بضعة أيام، وراحت جمهورياتها تنفصل تباعًا؛ ليكتشف "الزبائن" القدامى أنهم أصبحوا يتامى بغتة، غير أنهم لم يعتبروا من درس الحرية الذي حاولت الشعوب السوفييتية أن تعلّمهم إياه، ومفاده بأن "الحرية أولًا"، بدليل أنهم لم يعودوا على استعداد لمقايضتها بسائر الخدمات "الاشتراكية" التي يمنحها إياها طغاتهم. صحيحٌ أن الانهيار كان واضحًا وضوح نظريات ماركس ولينين نفسها، غير أن الإمبراطورية المتخيلة ظلّت قائمة في أضغاث أحلام "الزبائن" القدامى، ثم جاءت حادثة "الشاورما" التي راهن عليها صاحب المطعم إياه، والزبائن العرب، لتطيح مرة أخرى إمبراطورية أحلامهم، عندما اكتشف الطرفان، صاحب المطعم والزبائن، أن أحدًا لم يعد يرغب بمعاودة شراء البضاعة القديمة نفسها.. ولا بعودة الإمبراطورية بمواصفاتها القديمة.
كان سيخ الشاورما الستالينية نفسه منتصبًا، تفوح رائحته اللحميّة الشهيّة من بعيد، غير أن المطعم أفلس بإفلاس فكرة الاستبداد والأحزاب الشمولية نفسها؛ إذ لم يعد أحدٌ يشتري "إنجازات" ستالين في دحر النازية، وتوسيع رقعة الإمبراطورية السوفييتية التي راهن عليها صاحب المطعم، بل كان جميع الزبائن يستحضرون أرواح 20 مليون ضحية للحقبة الستالينية، وفق بيانات رسمية وثقتها الإمبراطورية نفسها، منها نحو 800 ألف حالة إعدام، ونحو 1.7 مليون وفاة في معسكرات الغولاغ في سيبيريا، ونحو 400 ألف وفاة في أثناء عمليات الترحيل القسرية، فضلًا عن سبعة ملايين وفاة في المجاعة الممتدة من 1932- 1933. كان ذلك عين ما شاهده الزبائن القدامى معلّقا على سيخ شاورما ستالين، باستثناء الزبائن من يساريي العرب الذين ما زالوا يروّجون الشمولية وحكم الحزب الواحد، والفرد الواحد، ويغفرون مجازر طغاة العرب من أمثال بشار الأسد وغيره، لقاء شراء شعاراتهم وأسياخ الشاورما المعروضة على واجهات قصورهم، حتى ولو كانت من لحوم شعوبهم.