سوريون وخيار الارتزاق

23 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لا تنحصر صفة الارتزاق بفئةٍ محدّدة من السوريين، فالسوريون (معارضون وموالون)، كلهم سواء في الموت على جبهات بعيدة عن أوطانهم، وتعفن جثثهم من دون حتى أن يصار إلى دفنها، لا ثمن، كما لا حاجة، لمرتزق بعد سقوط البندقية من يده، وأيضا لا عزاء له.

بعد حرب مديدة، أكلت عمران سورية وأعمار ناسها، حرب وصفت بأنها قذرة، بسبب سياسات إدارتها، وهياكل تعبئتها، والإيديولوجيات الرثة التي شكلت محرّكاتها، وصولا إلى تجمد جبهاتها وانسداد أفق الحلول، انفتح البطن السوري على كارثةٍ لا مثيل لها في العصر الحديث: مجتمعات بأكملها تقف على شفير الموت والجوع، بملايين مشرّديها وأيتامها وأراملها، تواجه تحدّي البقاء على قيد الحياة أمام آلة قتل لا تكل، وعالم أدار ظهره للمأساة السورية.

انفتح البطن السوري على كارثةٍ لا مثيل لها في العصر الحديث: مجتمعات بأكملها تقف على شفير الموت والجوع

لا مبرّر للارتزاق، ولا شفيع لأتباعه، وهو عملٌ تدينه القوانين والأخلاق والأديان، ويصعب التعاطف مع المرتزقة الذين يذهبون للقتال على أرض الغير، بعيداً عن أرضهم وقضيتهم. بالأصل، شكّل المرتزقة الذين جلبتهم الأطراف المتصارعة للحرب أحد أسباب نكبة السوريين، فمعلومٌ أن المرتزقة لا تردعهم أخلاق ولا قوانين، وهم أكثر الفئات إجراماً في الحروب، فكيف الحال وهذه الحروب بالأصل قذرة؟

لكن، هل يمارس أحد الارتزاق ترفاً؟ القصص التي تنشرها التقارير العالمية عن الحيوات الشخصية لبعض من التقتهم على جبهات القتال، في ليبيا وناغورنو كاراباخ، تظهر أن هؤلاء من بيئات ريفية أو مدنية، وكانت لهم مشاريع وطموحات بعيدة عن الحرب والقتل، لكنها تحطّمت جميعها وأغلقت كل المخارج في وجوههم، حتى بعد أن تنازلوا عن طموحاتهم التي بدت ثقيلة وسط ظروفٍ قاسية، فأصبحت، حتى مواصلة الحياة بأدنى الاشتراطات والمتطلبات، أمراً ينطوي على استحالة كبيرة. فماذا كان ينتظر العالم من ألف مخيم يحيط بإدلب، لا يجد ساكنوها حتى الخيمة لإيواء لحمهم من برد الشتاء، فضلاً عن مئات المخيمات في لبنان وتركيا والأردن؟ وماذا ننتظر من شخص وجد نفسه معيلاً لأفواه كثيرة، بعد موت أشقائه أو والده، ووجد نفسه في موقع المسؤولية عن تركة ثقيلة لا يستطيع حملها عدّة رجال؟ لا خيارات هنا، فإن لم تبع جسدك للارتزاق سيفنى جسد ابنك من الجوع أو ستبيع زوجتك جسدها ما دامت الخيام لا تنتج خبزاً. وليس الوضع أفضل في سورية المقابلة، الخاضعة لسيطرة مليشيا الأسد، حيث البطالة والجوع وطوابير الإذلال على الخبز، وجيوش اليتامى والأرامل، وسلطة آخر همها التفكير بتأمين ظروف معيشية أفضل لهؤلاء، وانعدام أي إمكانيةٍ للخروج من هذه الأوضاع، وأفق مسدود، سنوات طويلة، بلا مخارج ولا حلول.

ثمّة أسباب كثيرة تقف وراء ازدهار مهنة الارتزاق في سورية، على ضفتيها، المعارضة والمولاة، فهنالك جيل امتهن الحرب ولا يعرف مهنة غيرها، كل الذين كانت أعمارهم بين عشرة أعوام وعشرين عاما لحظة انطلاق الثورة أصبحوا في موقع المعيلين لأنفسهم وأهاليهم، وامتهن أغلب هؤلاء السلاح، وهؤلاء هم أكثرية السوريين، بالنظر إلى التركيبة العمرية في سورية، حيث يوصف المجتمع السوري بالمجتمع الشاب، لأن الفئة العمرية حتى 35 عاما تشكل الأغلبية في الهرم السكاني.

تختلف الحرب في سورية عن سواها من النزاعات والحروب الشبيهة لها، بكثافة المشاركين فيها

من جهة ثانية، تختلف الحرب في سورية عن سواها من النزاعات والحروب الشبيهة لها، بكثافة المشاركين فيها، ويكفي أن نتذكر أن فصائل المعارضة زادت عن مائة فصيل، وأن تشكيلات النظام لم تقل عن هذا العدد، وساهم طول الفترة بدخول أشخاص عديدين وخروج مثلهم، وحتى الذين لم ينخرطوا مباشرة في القتال كانت معيشتهم تعتمد على اقتصاد الحرب.

في جميع الدول التي شهدت منازعات وحروبا داخلية، كولومبيا وهندوراس وكمبوديا .. إلخ، كانت قضية إيجاد حل وبدائل للمشاركين فيها تمثل أعقد القضايا، وذلك أن إعادة تأهيلهم للحياة المدنية، وإدخالهم ضمن الأنشطة الاقتصادية، وتأمين فرص عمل لهم، تكلف مبالغ طائلة، في ظل توجيه الجزء الأكبر من الموارد والمساعدات إلى إصلاحات البنى التحتية. وفي سورية، لا بنى تحتية ولا إعادة تأهيل، ولا مصالحة مجتمعية، ولا حل سياسي، فتدبر أمرك ما استطعت.

تكمن المشكلة في تحول عملية الارتزاق إلى منظومة عمل كاملة، سوق فيها عرض وطلب، مع ازدهار المشاريع الجيوسياسية والحروب الإقليمية

ولعل المشكلة في هذه الحالة تحوّل عملية الارتزاق إلى منظومة عمل كاملة، سوق فيها عرض وطلب، مع ازدهار المشاريع الجيوسياسية والحروب الإقليمية، ووجود أعداد هائلة من ممتهني الحرب العاطلين من العمل، وتشكّل شبكاتٌ لاستثمار هؤلاء وزجّهم في الحروب والصراعات، من أمراء الحروب والمتنفذين، وأكثر من ذلك مؤسسات دول، ومصالح سياسية واقتصادية، الأمر الذي يصعب إمكانية كسر هذه الدورة الجهنمية لعملية الارتزاق، وسط حالة من الإحباط وانسداد الأفق.

ليس الارتزاق سوى أحد مظاهر الأزمة السورية، والتي يصعب حلها من دون إيجاد حل كلي للأزمة، حل سياسي ينطلق من معالجة جذور الأزمة، فقد ثبت أن الحل الروسي لم يجن سوى مزيد من الأزمات للوضع السوري، وترك روسيا تكمّل مسارها الذي بدأته منذ عام 2015، يعني إعطاءها المزيد من الفرص لمراكمة الأزمات التي سترتد بالسلب على الأمن الإقليمي والدولي. وإذا كان السوريون هم من يدفعون الأثمان الكبيرة، فلن يكون الآخرون في منجىً عن هذه الارتدادات، حتى لو اعتقدوا ذلك.