سورية والعلاقة مع أميركا وإسرائيل
من الخطأ قراءة التقارب السوري الأميركي بخلفية إسرائيلية، فمن الواضح أن الرئيس ترامب ينظر إلى سورية بعيون أميركية خالصة، وربما وضع مستشاروه أمامه خريطة جيوسياسية، مع مقاربة تاريخية توضح موقع سورية ووضعها ضمن الإقليم، ومدى أهمية هذا الموقع للسياسة الأميركية. وقد ظهر الاهتمام الأقصى عندما طفا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على السطح، وسيطر على مساحة كبيرة من التراب السوري، لم يتأخّر حينها ردّ أميركا التي شكلت تحالفاً دولياً واسعاً مع شراكات محلية للقضاء على التنظيم، ومنع تمدّده إلى الخارج. منذ تلك اللحظة، رغبت الولايات المتحدة في الوجود الملموس في سورية، فكونت عدة محطات عسكرية في الشمال وفي الجنوب الشرقي قرب الحدود الأردنية العراقية، واللافت أنها رفضت التسامح مع نظام الأسد بأية صورة، وأصرّت على تشديد العقوبات عليه حتى سقط نهائيّاً. وبعدها، لم تتحرّج الإدارة الأميركية من خلفية النظام الجديد، بل عملت بجد على التقرّب منه، وساهمت عالمياً في رسم صورة جديدة له، مختلفة عن النمط السابق المعروف عنه، وكان لقاء البيت الأبيض قبل أيام تتويجاً للجهود الأميركية، في محاولة التقارب مع سورية. وأتت هذه الجهود معزولة عن تداخل إسرائيل التي لم تُخفِ امتعاضها من حالة التقارب، واعتبرته، في بعض أوجهه، على حساب علاقاتها مع الولايات المتحدة.
بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، أظهرت الولايات المتحدة اهتماماً بسورية، فدانت بشدة القصف الفرنسي دمشق عام 1945. وفي العام نفسه، دعمت الولايات المتحدة الجهود البريطانية لإنهاء الانتداب على سورية، وضغطت على فرنسا لسحب قواتها. واعترفت الولايات المتحدة بسورية دولةً مستقلة، فور الخروج الفرنسي، وعيّنت سفيراً لها في دمشق في السنة نفسها، وتعاملت معها دولةً لدولة، لكن حكام سورية منذ ما بعد الاستقلال، وجدوا في المعسكر الشرقي وجهةً أفضل لبناء العلاقات واستيراد المعدات والسلاح، قبل أن تغوص العلاقات السورية الأميركية في رمال متحرّكة مع تصاعد المد القومي والشيوعي وطغيان العداء لأميركا. ولأسباب أيديولوجية، توجّهت سورية نحو الاتحاد السوفييتي، بدعم من العسكر الذين سيطروا على الساحة السياسية السورية، وتراجعت العلاقات السورية الأميركية إلى الحضيض، وصولاً إلى القطع النهائي لها. اعتبر قادة سورية أن العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة محرّمة، ونعتوا بأوصاف الرجعية كل من يُظهر موقفاً إيجابياً منها، فازدهرت العلاقات الإسرائيلية الأميركية، وأمعنت الولايات المتحدة في تعزيزها، باعتبار إسرائيل كانت موطئ القدم لها في المنطقة، في ظل إغلاق البوابة السورية بشكل محكم أمامها، وقد حاول الرؤساء الأميركان، الجمهوري منهم (نيكسون) والديمقراطي (كلينتون)، تحقيق اختراق للتقارب مع سورية من دون فائدة تُذكر، ما شكّل وضعاً استفادت منه إسرائيل إلى أقصى مدى ببقائها الحليف الأقرب للأميركان.
كان سوء العلاقة مع الولايات المتحدة وبالاً على سورية، فقد سقطت مرتفعات الجولان في حرب حزيران 1967، وحرصت إسرائيل على عدم سقوط نظام "البعث"، وكان بمقدورها التقدّم نحو دمشق، ولكنها وجدت في استمرار نظام كهذا فائدة أكبر من احتلال دمشق نفسها. وأُفشِل الهجوم المصري السوري على إسرائيل في 1973، وتحولت النتيجة إلى كارثة عسكرية حطّمت بشكل شبه كامل القوات البرّية السورية، لكن إسرائيل حرصت على إعطاء حافظ الأسد نصراً رمزياً بالموافقة على تراجع صغير في القنيطرة، ما منحه فرصة لرفع العلم السوري على بضع مبانٍ مدمّرة تراجعت عنها إسرائيل مقابل اتفاقية تُبعد القوات السورية عن الحدود، بما يسهّل إحكام السيطرة على الجولان.
أمام الرئيس أحمد الشرع اليوم فرصة تاريخية لتصحيح ثلاثة أرباع القرن من القطيعة مع الولايات المتحدة، ويمكنه أن يشيد علاقة متوازنة تستغل الحاجة إلى سورية مستقرّة، والبدء بإعادة إعمار موزون بالاستفادة من دعم أميركي، بما يدفع إلى تحقيق الأمن وإعادة السلم إلى المجتمع السوري الذي تمزّق بعد حرب الـ14 عاماً.