سورية والتغييرات الإقليمية الواسعة
دخلت سورية، مع رحيل الأسد، في محور إقليمي جديد، وربّما عالمي أيضاً. وقبل ذلك، كانت الدولة الصهيونية قد بدأت حرباً واسعةً على حلفاء إيران وأذرعها، وبـ"حياد" عربي وغطاء أميركي وأوروبي، فدمَّرت أقساماً واسعة من غزّة، وقتلت آلافاً من أهلها، وجرى الأمر نفسه في لبنان، وصولاً إلى حرب طاولت إيران بالتشارك مع الإدارة الأميركية. وقبل شهر ونصف شهر، أوقفت الإدارة الأميركية الحرب ضدّ إيران، ومنعت الدولة الصهيونية من تجديد القصف، وستنتهي مهلة ال60 يوماً في 18 أغسطس/ آب الجاري، وهناك عمليات عسكرية متقطّعة ضدّ إيران رداً على هجمات تطاول السفن أو بعض الدول الخليجية، وكأنّ أميركا ملتزمة بالهدنة وفتح المجال للمفاوضات التي تقودها كلّ من باكستان وقطر.
سورية الخارجة من معارك طويلة منذ عام 2011 تلقّت دعماً أميركياً وأوروبياً واسعاً، سياسياً وإعلامياً، ورُفعت عنها العقوبات التي تعود إلى 1979. والسلطة الجديدة تتبنّى حياداً تجاه التطوّرات الإقليمية من ناحية، وترفض كلّ أشكال الهجمات ضدّ دول الخليج من ناحية أخرى، لكنّها تصمت عن الحرب ضدّ إيران، وترى في ذلك أسلم الخيارات، وهذا ليس خاطئاً. وتتعرّض سورية إلى توغلات صهيونية مستمرّة منذ وصول السلطة الجديدة إلى دمشق، وقد سيطرت دولة الاحتلال على مناطق واسعة في أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا، وتطالب سورية بتوقيع اتفاقية أمنية مذلّة تقرّ باحتلال الجولان وفرض سيطرة إسرائيل على الجنوب، وهو ما ترفضه دمشق. وفي المقابل، تضطر دمشق إلى مواجهة الضغط الصهيوني للدخول في علاقات قوّية مع تركيا، في المجالات كافّة، وهو ما قد يقيّدها ويضعفها كذلك؛ فتبدو السلطة ممزّقةً بين قوّتَين إقليميتَين كبريَين.
وتتعرّض السلطة منذ أسابيع لضغوط واسعة من الإدارة الأميركية للدخول إلى لبنان والمشاركة في إنهاء حزب الله، وهناك تحليلات كثيرة حول إمكان استجابتها، لكنّها لا تزال ترفض ذلك بوضوح أيضاً. وعلى أيّ حال، وإزاء الضغط الأميركي، فإنّ كلا الاحتمالين وارد: الرفض والقبول. وهي تستفيد من علاقتها القوية مع تركيا والدول الخليجية لرفض الضغط الأميركي.
إشراك السوريين يعيق استغلال الأزمة ويخفّف من الغضب الشعبي
ستعتبر إيران دخول سورية إلى لبنان حرباً ضدّها، وسيعيد إلى أهالي لبنان ذاكرة كوارث دخول الجيش السوري عام 1976، وسيُقابل برفض واسع، وسينتج عنه تحالفات لبنانية متعدّدة الطوائف ورافضة للدخول. قد يستوجب حجم الأزمات السورية الحياد تجاه ما يجري في المنطقة، لكنّ سياسات السلطة إزاء الداخل هي المشكلة الحقيقية، إذ يُجمع كثير من المحلّلين على أنّ الدعم الدولي والإقليمي المتوافر يتطلّب سياسات داخلية تؤدّي إلى الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يهدّد، بالمعنى الحقيقي، ذلك الدعم، ويهدّد موقع السلطة نفسه. فإن لم تغيّر سياساتها وتحلّ المشكلات، وتدعم الزراعة والصناعة، وتشرك النُّخب السورية في إقرار السياسات، فقد تجد نفسها في عزلة كبيرة عن الشعب.
ولنعطِ مثالَين يوضّحان خطورة الاستمرار في السياسات نفسها؛ فقد شكّل اتفاق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع السلطة بدايةً إيجابيةً للعلاقة بينهما، لكنّ تغييب دور أهالي المنطقة في الحسكة ودير الزور والرقّة أدّى إلى احتجاجات واسعة ورفض لهذا الشكل من الاندماج الفوقي، ورفضته جهات كردية، وطالبت بدور لها فيه. وأيضاً، مرّ أكثر من عام على أزمة السويداء، وبدلاً من أن تتبنّى السلطة مبادرات وطنية تجاه هذه المحافظة، تمارس سياسات تعمّق الفجوة بين دمشق والسويداء. هذان المثالان، وسواهما، سيعيقان تحقيق مشاريع الطاقة وخطوط أنابيب النفط والاستثمارات العابرة للحدود. وفي هذا، تجدر الإشارة إلى الاحتجاجات المستمرّة ضدّ صهاريج النفط القادمة من العراق في المنطقة الشرقية.
إنّ إشراك السوريين، عبر الدعوة إلى انتخابات للمجالس المحلّية والإدارات المحلّية ومجالس المحافظات والنقابات واتحادات الفلاحين وغرف الصناعة والتجارة، ودعم الزراعة، ومشاركة الصناعيين في وضع السياسات الصناعية الوطنية، وسواها، سيكون الخطوة الأساسية في دعم الاستقرار بأشكاله كلّها.
إنّ رفض إشراك الناس وفرض السياسات أدّيا، حتّى الآن، إلى مظاهرات احتجاجاً على رفع أسعار الكهرباء والخبز والوقود، وهناك تذمّر واسع من سعر طنّ القمح للموسم الحالي، واحتجاجات متكرّرة على قضايا مختلفة في كلّ المحافظات. وبالتالي، هناك ضرورة لإعادة النظر في هذه القضايا، والبدء بالتشاور والتشارك مع السوريين. وهذا وحده ما سيساعد السلطة على الاستمرار في تلقّي الدعم الخارجي، ورفض أيّ ضغوط خارجية، مثل التدخّل عسكرياً في لبنان، وجرّ سورية إلى مواجهة مع إيران.
انتقال سورية إلى محور جديد، والإكثار من الحديث عن أهمّية موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وعن أنّها ممر لخطوط الطاقة، ليسا مفيدين لتهدئة أصوات الناس المتذمّرة ولا لتهدئة تيارات معارضة. وقد أشرت إلى عرقلة مستمرّة لصهاريج النفط مثلاً، وهناك حاجة إلى عدّة سنوات لإنشاء تلك الخطوط، كما أنّ هناك إمكاناً لإعادة فتح مضيق هرمز، وانخفاضاً في تكاليف النقل البحري مقارنة بالنقل البري. والمقصود هنا أنّ تعقيدات الوضع السوري لا تحتمل الانتظار، وهي أعقد من مرور خطوط الطاقة، وتتطلّب عملية سياسية جادّة يشارك فيها الشعب لتجاوز المرحلة الانتقالية من دون انتكاسات ممكنة. ونقصد هنا أنّ تأزّم الوضعَين الاقتصادي والاجتماعي قد يؤدّي إلى انفجارات مجتمعية، وقد تستغلّها الأطراف الإقليمية الرافضة للسلطة في دمشق، بدءاً من الدولة الصهيونية وإيران، وحتّى أطراف من النظام البائد. إنّ إشراك السوريين وحده ما سيعيق هذا الاستغلال، ويخفّف من الغضب الشعبي تجاه الأزمات. وهذا وغيره يتطلّبان من السلطة إجراء تغييرات في تعييناتها في جميع دوائر الدولة في سورية، وتخفيف الإنفاق الباهظ والمصاريف الضخمة على مكاتب المسؤولين ومواكبهم، والتوقّف عن ممارسة "أولويات" تتناقض مع حاجات الناس إلى إعمار المدن، وتأمين فرص العمل، ورفع مستوى المعيشة، والاستماع إلى أصوات الناس في كلّ ما يخصّ هيئات العدالة الانتقالية أو المفقودين.
هناك دعم سياسي خارجي للسلطة في دمشق، لكنّه لم يترافق مع دعم اقتصادي حقيقي
أعادت التغيّرات الإقليمية أميركا بقوّة إلى المنطقة، وتتبنّى هذه الدولة سياسات منح أدوار إقليمية للدول الأقوى، بالتزامن مع تهميش الدور الإيراني بالتحديد. لكن هذه الأدوار تعبّر عن قوّة الدول: الاقتصاد، والاستقرار الأمني، والجيوش المنظّمة، وشكل النظام السياسي. وضمن ذلك، هناك حديث عن إعادة ضبط وزن الدولة الصهيونية إلى مستوى دولة إقليمية، ولجم تطلّعاتها إلى أن تكون الأقوى في المنطقة، وأن تمارس الإدارة الأميركية قيادة المنطقة بما يمنع تركيا أو الدولة الصهيونية أو السعودية أو مصر من أن تكون أكثر تأثيراً من سواها. فهل ستتمكّن السلطة الإيرانية من الدخول في هذا الشكل من التموضع الإقليمي الجديد؟
يقتضي الأمر الابقاء على مضيق هرمز مفتوحاً، والتخلّي عن البرنامج النووي بشكل كامل، والقبول بالرقابة الدولية على كلّ ما يخصّ المجال النووي. لكنّ إيران، حتّى لو أقرّت بذلك، فقد استنزفتها الحرب، والأخطر أن تتجدّد، وستخرج منها ضعيفة. وهناك تشدّد في أوساط الحرس الثوري، ويقع على عاتقها تغيير سياساتها الإقليمية والداخلية بما يعيدها إلى موقع إحدى الدول الإقليمية، وينهي تطلّعاتها خارج حدودها، ويمنح الشعب الإيراني كثيراً من الحقوق. على أيّ حال، سورية الجديدة معنية بقراءة هذه التغيّرات كلّها، وعدم الاكتفاء بالدعم الخارجي، وقد توضّحت خطورته عبر الطلب الأميركي للدخول إلى لبنان. إذاً، هناك دعم سياسي خارجي حقيقي، لكنّه لم يترافق مع دعم اقتصادي حقيقي، وليست هناك مؤتمرات لإعادة الإعمار أو أنّ الاستثمارات الموجودة لم توظِّف عدداً كبيراً من الأيدي العاملة، وتقتصر على استثمارات محدودة للغاية.
وعلى أيّ حال، ليست هذه الاستثمارات مجّانية، وهي تهدف إلى الربح، بينما سورية مدمَّرة بكلّ معنى الكلمة. ونقصد بذلك أنّها قد تستنزف سورية أكثر ممّا هي مستنزَفة. وبالتالي، يقع على السلطة إشراك رأس المال السوري الكبير والمهاجر، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسّطة والزراعة، فهذا هو المدخل إلى مواجهة الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية. وبإشراك الشعب، كما أشرنا، سيكون هناك مدخل صلب لمواجهة الأزمات السياسية الموروثة، أو الناجمة عن السياسات المتّبعة في تدبير الحُكم.
تُعَدّ سورية الأضعف بين الدول الإقليمية، وربّما تكون أقوى من لبنان فقط، وهذا ما يشكّل عنصر الخطر الحقيقي الآتي من الصراعات الإقليمية التي تضبطها الإدارة الأميركية، وتعترف بأدوار إقليمية فيها. إنّ الخروج من حالة الضعف هذه يقتضي سياسات داخلية تدعم موقع السلطة، وتخفّف الانقسامات الأهلية والتذمّر المجتمعي من السياسات المعتمَدة.
هل ستستطيع السلطة إعادة النظر في سياساتها؟ هذا هو السؤال. وفي حال استمرّت في السياسات نفسها، ستتفاقم الأزمات، وستكون السلطة ضعيفةً تجاه الخارج والداخل معاً.