سورية من إدارة "التوتر" إلى تكتيك "الدمج المرن"

09 فبراير 2026

قوات تابعة للحكومة السورية تتحضر لدخول الحسكة (2/2/2026 الأناضول)

+ الخط -

أظهرت التجربة السورية في العقد الماضي أن مقاربة استعادة السيطرة بالقوة، إذا لم تُواكَب بتفاهمات سياسية عميقة تراعي مخاوف الفاعلين المحلّيين وتُقدّم ضمانات حقيقية لهم، لا تفضي سوى إلى استقرار هشّ سرعان ما ينقلب انفجاراتٍ عنيفة. وفي هذا السياق، وعلى الرغم من أن التفاهمات المعلّقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" ليست سابقة في سجلّ العلاقة المعقّدة بين الطرفَين، يأتي إعلان اتفاق شامل لوقف إطلاق النار (29 يناير/ كانون الثاني 2026) باعتباره اختبارَ شراكةٍ مفروضةٍ بالواقع، متضمّناً مساراً تدريجيّاً لدمج القوات العسكرية والمؤسّسات التابعة للإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية، ومُحمَّلاً بدلالات تتجاوز أنه إجراء أمني ظرفي.
وفي ضوء التحوّلات الدراماتيكية الضاغطة إقليمياً ودولياً، يمنح توقيت الاتفاق ومضامينه التفصيلية الانطباع بأننا إزاء محاولة لإعادة هندسة العلاقة الشائكة بين المركز والأطراف، لا تخلو من مخاطر بنيوية واضحة؛ في مقدّمتها خطر تحوّل عملية الدمج إلى إجراء شكلي يُبقي على التوتّرات مستترةً، بما يعيد إنتاج منطق الانقسام داخل مؤسّسات يُفترض أنها موحّدة. كما يبرز خطر آخر يتمثّل في اصطدام الوعود ذات الطابع الحقوقي بسقف سياسي منخفض، لا يسمح بتحوّل جوهري في مقاربة الدولة لمسألة التعدّدية وإدارة التنوع.

يتمسّك الخطاب الرسمي السوري بالدولة الموحّدة، مع قابلية محدودة للامركزية الإدارية أو الخدمية

بالتالي، تمكن قراءة الاتفاق بوصفه جزءاً من إعادة صياغة المشهد السوري ضمن سردية انتقالية، تُقدَّم فيها التفاهمات أخيراً باعتبارها خطوة للخروج من مستنقع "الاحتراب المفتوح" وما أفرزه من نمط السلطات المتوازية الذي وسم سنوات الصراع، إلى برّ "التسويات الجزئية" التي تعكس محاولة الدولة إعادة تموضعها عبر ترتيبات دمج أمني وإداري تدريجية، من دون ادّعاء الدخول في مرحلة سلام مُنجز. وهنا تبرز حساسية الصيغة المعتمدة: دمج فردي للعناصر ضمن ألوية عسكرية تتبع هيكلياً للجيش السوري، مع تشكيل فرقة تضمّ ثلاثة ألوية من قوات "قسد"، ولواء خاص بقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب. تعكس هذه الصيغة محاولة التوازن بين مطلب الدولة باستعادة السيطرة الهرمية الكاملة، وبين حاجة "قسد" للحفاظ على حدّ أدنى من التماسك الرمزي لوحداتها ضمن التشكيلات الجديدة، ما يضع الأخيرة أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية: إمّا التفكيك الفعلي لبنية "الإدارة الذاتية" وإلحاقها بركب دولة أكثر انفتاحاً وتقبّلاً للآخر، أو الجنوح باتجاه عملية إعادة تدوير مؤسّسية تُبقي على الكوادر والهياكل المحلّية تحت مظلّة دولة إقصائية، بلون واحد.
وبالتساوق مع ما تقدّم، لا تمكن قراءة الاتفاق بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. فـ"قسد" ليست مجرّد فاعل محلّي؛ بل هي جزء من معادلة دولية ارتبطت بالحضور الأميركي في شرق الفرات وبملف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وبالتوازنات مع تركيا. نجاح الاتفاق أو فشله لن يُقاس بعدد النقاط التي انسحبت منها القوات أو بالألوية التي أُعيد تشكيلها، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل الدمج من إجراء إداري - عسكري إلى مشروع سياسي يعالج جذور الانقسام، ويمنح المجتمعات المحلّية شعوراً حقيقياً بالشراكة، لا مجرّد العودة إلى مركزية قديمة بثوب جديد. كما أن استخدام الاتفاق أداةً لضبط أمني مؤقّت قد يعقبه تآكل تدريجي للمصداقية، بما يعيد إنتاج شروط الصدام على المدى المتوسّط. أمّا المراهنة على نجاح الانتقال من نهج "إدارة التوتّر" إلى تكتيك "الدمج المرن" فلا يمكن فصلها عن سؤال الثقة المتبادلة بين الطرفَين، والذي يحمل في طيّاته فرصَ احتواء محدودة، بقدر ما ينطوي على انتكاسات كامنة إذا لم يُرفق بتحوّل سياسي أوسع.
في المقابل، تُطلّ الهواجس التركية المزمنة برأسها؛ إذ تنظر أنقرة إلى أيّ ترتيبات جديدة في الشمال السوري من زاوية أمنها القومي أولاً، قبل أيّ اعتبار سيادي سوري داخلي. من هذا المنظور، يبدو الاتفاق، في ظاهره، خطوةً قد تخدم أهم الأهداف التركية، وهو تفكيك بنية "قسد" وإنهاء وضعها قوةَ أمرٍ واقع، باعتبارها امتداداً عضوياً لحزب العمال الكردستاني، ومقدّمةً محتملةً لتشكّل كيان كردي مسلّح ذي طابع عابر للحدود. فتركيا لا تخشى فقط الكيانات غير الدولتية على حدودها، بل تتحفظ كذلك على عودة الدولة السورية وحلفائها، بما يعنيه ذلك من انكماش هوامش الحركة التي راكمتها خلال سنوات التدخّل العسكري. وعليه لا يبدو الاتفاق، من منظور تركي، مكسباً صافياً ولا خسارةً مطلقة، بل محطّةً انتقاليةً تعيد خلط الأوراق بانتظار اتضاح مآلاته الفعلية على الأرض، مع انسحاب روسيا من مواقع لها في الشمال الشرقي، بما في ذلك مطار القامشلي، ومع الزيارة الفرنسية الداعمة لترتيبات دمج "قسد"، تُفتح صفحةً جديدةً في إدارة الشمال السوري، خصوصاً أن العلاقة التركية - الفرنسية تعاني مسارات توتّر متكرّرة بسبب اختلاف الأولويات الاستراتيجية والسياسات الإقليمية لكل منهما.
وعلى التوازي، يحمل الحديث عن دمج مؤسّسات "الإدارة الذاتية" ضمن الدولة السورية دلالةً واضحةً: الدولة لا تعترف بـ"الإدارة الذاتية" إطاراً سياسياً دائماً، لكنّها تعترف بوجود إدارات تشكّلت على الأرض وتريد استيعابها ضمن بنيتها. هذا نمط معروف في سياقات ما بعد النزاعات: ليس اعترافاً بشرعية الكيان الموازي، بل محاولة لاحتوائه وتفكيكه تدريجياً من دون صدام عبثي.

لا يوجد أيُّ مؤشّر صريح على أن دمشق قبلت بفكرة اللامركزية العميقة أو الحكم الذاتي للأكراد ذي البعد الهُويّاتي والسياسي

وبطبيعة الحال، لا يوجد أيُّ مؤشّر صريح على أن دمشق قبلت بفكرة اللامركزية العميقة أو الحكم الذاتي للأكراد ذي البعد الهُويّاتي والسياسي. ما زال الخطاب الرسمي السوري متمسّكاً بمفهوم الدولة الموحّدة، مع قابلية محدودة للامركزية الإدارية أو الخدمية. وعلى مستوى "قسد"، دمجها ضمن الجيش السوري، ولو بصيغ مرحلية أو بألوية خاصّة، يعني عملياً نزع الصفة السياسية - الاستقلالية من ذراعها العسكرية. فـ"الإدارة الذاتية" كانت تستمدّ جزءاً كبيراً من وزنها السياسي بامتلاكها قوة عسكرية فاعلة ومستقلة. أمّا الحديث عن تسوية الحقوق المدنية والتربوية للكرد، وتثبيت الموظفين، وضمان عودة النازحين، فيشير إلى اعتراف ضمني بخصوصية اجتماعية وثقافية في مناطق الشمال الشرقي، لكنّها لن تُترجم سياسياً إلى حكم ذاتي، بل إلى محاولة إدماج الكرد ضمن الدولة بشروط أقلّ إقصاءً من السابق.
يواجه هذا النموذج المستجِدّ اختباراً مباشراً في بقية المناطق السورية، بالتزامن مع تظاهرات حاشدة طالبت بـ"حقّ تقرير المصير" في مدينة السويداء، وأخرى طالبت بـ"فيدرالية العلويين" في الساحل السوري. الرسالة الأساسية واضحة هنا: لا يمكن لدمشق أن تتجاهل مطالب مكوّنات لم تعد قابلةً للاستيعاب ضمن صيغة مركزية صارمة. ومن ثم، فإن الشكل المقبل للدولة السورية لا يبدو أنه سيكون "مركزياً" بالمفهوم التقليدي، ولا "فيدرالياً" بالمعنى المتعارف عليه دولياً. في المحصّلة، تشير المعطيات الراهنة إلى انتقال الدولة من عتبة المركزية الصارمة إلى نموذجٍ مركّبٍ قائمٍ على وحدة الدولة مع تفويض موسّع للمناطق، مشروطاً بقدرة الحكومة الجديدة على احتواء الأطراف المتنوعة من دون اللجوء إلى القوة المفرطة، واستثمار الدروس المستخلصة من سنوات الصراع لتجنّب الانزلاق نحو أزمة جديدة تهدّد وحدة البلاد واستقرارها.
نافلة القول، يأتي اتفاق الدمج المركزي "المرن" على إيقاع إرهاق عسكري وضغوط إقليمية وحسابات دولية متبدّلة، ليضع الطرفَين أمام اختبار ثقيل: هل يكون بداية مسار مبشّر يوحّد المؤسّسات ويحتوي الهشاشة الأمنية، أم أنه مجرّد هدنة مؤقّتة تُدار فوق أرض ما زالت مفتوحةً على احتمالات الصدام؟ وبين رهانات الاستقرار ومخاوف التفكّك، تدخل المنطقة فصلاً جديداً تُكتب صفحاته بين نص الاتفاق ووقائع الميدان.