سورية .. حوار المعارضات ضرورة وطنية

28 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

جاء رد فعل قادة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية على دعوة الرئيسة المشتركة لمجلس سورية الديمقراطية (مسد)، إلهام أحمد، سلبيا، ما أثار أسئلة حول صوابية الموقف وجدواه السياسية في ضوء تطورات المشهد السياسي السوري، وتوازنات القوى، والدفع الأميركي باتجاه الحوار والوحدة في مواجهة النظام؛ والوعد بإشراك "الائتلاف" في إدارة منطقة شرق الفرات، وحول مدى قدرة قيادة "الائتلاف" على التقاط المتغيرات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، والتعاطي معها بمهنية وجدّية، وتوظيفها لخدمة خيارات وطنية منشودة؟ 

شكلت الدعوة إلى الحوار فرصة سياسية، خصوصا وأنها جاءت في سياق تحرّك أميركي لإعادة صياغة منطقة شرق الفرات، عبر إقامة توازن بين المكونات والأدوار والدفع نحو تعديل بنية الإدارة الذاتية، بحيث تعبر عن التركيبة السكانية، وتلبي تطلعات المجتمعات المحلية بتحقيق العدالة والمساواة بينها، عبر إقامة شراكة حقيقية وتوزيع عادل للسلطة والثروة. وقد عكست مجريات الحوار الكردي هذا التوجه بصراحة ووضوح. وهذا، بالإضافة إلى ما تضمنته الدعوة من وعدٍ بإشراك "الائتلاف" في إدارة المنطقة المذكورة؛ جعلها خيارا يستحق المجازفة، لما تنطوي عليه من احتمالات، وما تفتحه من آفاق مستقبلية. 

شكلت الدعوة إلى الحوار فرصة سياسية، خصوصا وأنها جاءت في سياق تحرّك أميركي لإعادة صياغة منطقة شرق الفرات

أول ما يمكن ملاحظته على موقف "الائتلاف" من الدعوة هو عدم الاهتمام بها، حيث لم تتم الدعوة إلى اجتماع على مستوى القيادة، لدراستها وتقدير إيجابياتها وسلبياتها، واتخاذ موقف رسمي، وإصداره في بيان يوضح فيه موقفه منها، والأسباب خلف قراره، بل صدرت تعليقات من قادة فيه عبّروا فيها عن موقفهم الشخصي، وفق خلفياتهم وارتباطاتهم التنظيمية والسياسية، من دون اعتبار للمؤسسة والعمل الجماعي المنظم، والانطباع السلبي الذي سيتركه التصرّف الفردي على "الائتلاف". ومن دون تقدير لأهمية الدعوة ومترتباتها الآنية والمستقبلية. وهذا كشف عن عمق التباينات داخل "الائتلاف"، وبين رموزه القيادية بشكل خاص، حيث تباينت مواقفهم بين الرفض بذريعة انعدام الثقة بمجلس سورية الديمقراطية (مسد) وقبول مشروط، كما كشف ابتعاده (الائتلاف) عن قواعد العمل السياسي المؤسسي المنظم الذي يستدعي دراسة الدعوة داخل الأطر واتخاذ القرار المناسب، ما رسّخ الصورة الذهنية السائدة عنه باعتباره "ائتلافا غير مؤتلف"، ويعاني من ضياع البوصلة. أما مبرّرات الرفض والذرائع النمطية التي رفعت في وجه الدعوة، فتفتقر لعاملي الإدارة السياسية الناجحة: العقلانية والعملانية، فالعقلانية تستدعي دراسةً معمّقة للعرض، وتحديد إيجابياته وسلبياته، والموازنة بين الفرص والمخاطر فيه، واتخاذ قرار عقلاني يمكن تفسيره وتبريره، والعملانية تستدعي تقدير نتائج الانخراط في عمليةٍ سياسيةٍ على المصالح الوطنية، والفرص التي تتيحها لتعديل توازن القوى، وتحصيل مكاسب وتسجيل نقاط لصالح الأهداف السياسية المعلنة، فالسياسة ليست "فن تحقيق الممكن" فقط، بل و"فن تغيير ميزان القوى" كذلك، ووضع تصوّر مفيد وممكن التحقيق. وهذا يستدعي قراءة المشهد السياسي والميداني في منطقة شرق الفرات، في ضوء التطورات السياسية والميدانية الماثلة، وتقويم الفرص التي يتيحها الحوار والنتائج المحتملة وتحديد الخيار المنطقي والعملي، المتسق مع عملية التغيير السياسي المنشود، وتحقيق تطلعات الشعب السوري للحرية والكرامة. 

وتجربة الإدارة الذاتية يمكن قراءتها على مستويين، أول تجربة حزبية تنفذ رؤية سياسية خاصة منطلقها إدارة المجتمعات، بدءا من الأحياء وصولا إلى الدولة عبر لجان محلية/ كومونات، كنوع من إدارة شعبية مباشرة، هي امتداد لأفكار يسارية نشأت وتلاشت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فيها من كومونة باريس ومجالسية الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي والماركسي العراقي عزيز السيد جاسم ولجان معمر القذافي الشعبية. فكرة ليست لها سوابق تاريخية مرشدة. كومونة باريس لم تعمّر طويلا كي تكون دليلا على صحة الفكرة. وأفكار غرامشي وتفرعاتها لم تحظ بتطبيق يثبت صلاحيتها، خصوصا في إدارة مجتمعات غير مصنعة، وتجربة القذافي كانت كارثية. وهذا جعلها غريبة ومستهجنة ولم تنل رضى الأكثرية فغدت بلا شرعية مجتمعية. 

"مسد" وجناحها العسكري "قسد" تنمّرا على محيطهما القريب، كرد الجزيرة وعربها وسريانه

المستوى الثاني أنها تجربة ناشئة ارتبط تنفيذها بالفرض والقسر، من دون عقد اجتماعي طوعي بينها وبين المجتمعات التي تحكمها، فنشأت فجوة واسعة بينها وبين هذه المجتمعات؛ ما وضعها في عداد التجارب السلطوية الفاشلة؛ دفع الولايات المتحدة إلى العمل على إخراجها من جلدها، عبر دفعها إلى تشكيل مجلس سورية الديمقراطية (مسد) وجناحها العسكري، قوات سورية الديمقراطية (قسد)، لكن المحاولة لم تعط النتائج المرجوّة، فقد نجح "الحزب"، بتوجيهٍ من قيادة حزب العمال الكردستاني، وبدفع من كوادره على الأرض السورية، احتواء المحاولة وتجويفها والاحتفاظ بالسيطرة على المنطقة، والهيمنة على الشركاء العرب والسريان، ما دفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في محاولة بصيغة جديدة، علّها تكون أنجح وأقدر على إيجاد توازن سياسي واجتماعي قابل للحياة، عبر الدفع نحو عقد اجتماعي طوعي، مدخله حوار كردي يتلوه حوار مع المكونات غير الكردية، وصولا إلى حوار مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة. وهذا يجعل تذرّع قادة في "الائتلاف" بانعدام الثقة بقيادة "مسد" ليس سببا كافيا لرفض الدعوة. 

تشكل الدعوة إلى حوار سياسي بين "مسد" و"الائتلاف" حبل نجاةٍ لكلا الطرفين، تخرج به "مسد" من عنق الزجاجة و"الائتلاف" من حالة انعدام الوزن

صحيح أن "مسد" وجناحها العسكري "قسد" قد تنمّرا على محيطهما القريب، كرد الجزيرة وعربها وسريانها، وارتكبت "قسد" تجاوزاتٍ على الحقوق والممتلكات؛ وانتهاكات عنيفة، قتل وتدمير وتهجير، ضد عرب وتركمان في مدن شمال سورية وبلداته، في إطار سعيها إلى فرض أمر واقع سياسي وعسكري وسكاني، شجعها الدعم العسكري الأميركي الذي ولّد لدى قيادتها سوء تقدير لطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث اعتبرته تحالفا يلزم طرفيه بدعم وتأييد الحليف لتحقيق أهدافه العامة والخاصة، في حين كان الطرف الآخر، الولايات المتحدة، يعتبر العلاقة تقاطعا عابرا لا يشمل كل القضايا والملفات، وأن هدفه محدّد بهزيمة "داعش"، أضيف إليه لاحقا الضغط على النظام السوري، لتغيير سلوكه والانخراط في العملية السياسية، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع في سورية، والتقاطع، كما اتفق خبراء الاستراتيجية، ما يعطي الأولوية لأهداف الطرف الأقوى ويصب في مصلحته، وقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقال، وعادا، "مسد" و"قسد"، إلى وعيهما، عندما لمسا جدّية الموقف الأميركي في الدفع نحو إجراء تعديلاتٍ على الإدارة الذاتية، بحيث تصبح عقدا اجتماعيا طوعيا، يلبي تطلعات كل مكونات شرق الفرات في العدالة والمساواة، فرضخا للدعوة إلى الحوار مع المجلس الوطني الكردي، وقد اتفقا على عدة نقاط وبقيت أخرى، واستجابا للضغط من أجل تفعيل دور المجالس المحلية في عموم المنطقة، خصوصا في محافظتي الرقة ودير الزور، لاحتواء التوتر والاحتقان الناجم عن التمييز والتهميش ضد أبنائهما (كان تقرير وزارة الدفاع الأميركية، في 31/3/2020، قد أفاد بحصول إقصاء للمكوّن العربي عن مفاصل اتخاذ القرارات داخل المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ "الإدارة الذاتية"، وأن "وحدات حماية الشعب" تستأثر بمراكز السلطة واتخاذ القرارات حتى داخل الإدارات المدنية)، والعمل على تحسين البنية التحتية والخدمية في المحافظتين. وها هما يتلقيان دعوة أخرى من ممثل الولايات المتحدة في قيادة التحالف الدولي ضد "داعش"، وليام روباك، للحوار مع "الائتلاف" من أجل توحيد المعارضة في وجه النظام. ووجهت دعوة مماثلة إلى "الائتلاف"، من ممثلة الخارجية الأميركية في شمال شرق سورية، زهرة بيل، وليس أمامهما إلا القبول، لأن الظرف السياسي لا يسمح بغير ذلك، فالخصم التركي يلوّح بتوسيع حدود سيطرته شرق الفرات، والروسي يهدّد بالانسحاب من المنطقة، ما يعني فتح الطريق للخصم التركي بتنفيذ تهديده، والأميركي لن يدافع خارج نطاق سيطرته الحالية، والتي تبعد عن الحدود السورية التركية عدة كيلومترات، ناهيك عن أنه ليس ثابتا على مواقفه، واحتمال انسحابه من المنطقة من دون سابق إنذار احتمال قائم باستمرار. ما يعني أن الفرصة مواتية، ويجب التقاطها، لدفع الإدارة إلى إعادة نظر في مشروعها، ووضعه تحت نظر الشعب السوري وتصرفه، يقبله أو يرفضه أو يعدله. والقبول المشروط، هو الآخر، ليس عمليا. لسببين، أن المطالب المعلنة، إخراج عناصر وقادة حزب العمال الكردستاني من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، والكشف عن مصير المفقودين ووقف التجنيد الإجباري وإلغاء سياسات تكريد مناهج التعليم وأسماء المناطق والمدن، قيد البحث بين "الإدارة" و"المجلس"، ما يجعل طلبها نافلا. والثاني، إعطاء "مسد" ذريعة للتخلص من الضغط الأميركي تحت شعار "ليس هناك شريك للحوار"، فتضيع فرصة الحوار والانخراط في قضايا تهم المواطنين، علما أن طرح مطالبهم على طاولة الحوار فرصة تعيد "الائتلاف" إلى المشهد السياسي، وتحسّن موقفه وموقعه لدى حاضنة الثورة. 

تشكل الدعوة إلى حوار سياسي بين "مسد" و"الائتلاف" حبل نجاةٍ لكلا الطرفين، تخرج به "مسد" من عنق الزجاجة الذي حشرها فيه الاجتياح التركي لشرق الفرات، وتخرج "الائتلاف" من حالة انعدام الوزن وفقدان البوصلة، وتمنحه ورقة قوة بوضعه في قلب الحدث السياسي والاجتماعي، واتفاقهما على مخرج مرضٍ يحل عقدا كثيرة: طمأنة الأتراك على أمنهم الوطني في ضوء اشتراك "الائتلاف" في إدارة المنطقة، وإزالة قلق الكرد من هجوم تركي جديد، وهواجس العرب ومخاوفهم من انفصال الكرد، ما سيجعله حبل نجاةٍ لسورية، دولة وشعبا.