سورية بين سقوط النقد وصعود الاستقطاب

14 ديسمبر 2025
+ الخط -

مضى عامٌ على انتهاء الشكل الأقدم للاستبداد في المنطقة، إلّا أنّ سورية ربّما لم تدخل بعدُ زمنَ النقد الحرّ؛ إذ يتجاذبه منطقُ الاصطفاف الحادّ. بعد عام على السقوط، يبدو أنّ ما انتصر فعلاً أبعدُ من التحرّر، إنّه منطقُ الاستقطاب؛ معسكراتٌ تتواجه، وذاكراتٌ تتنازع، ومجتمعٌ يخاف أن ينتقد "أهله" أكثر ممّا يخاف من إعادة إنتاج الاستبداد.

تطالعنا أخبارٌ قاسية في الخطاب والسلوك بسبب اختلافاتٍ عميقةٍ في الرأي بين سوريين لم يسمحوا لأنفسهم أن يروا هذا الاختلاف بعيونٍ نقديّة. من صمتوا سنواتٍ على جرائم الأسد لم يجدوا بعد سقوطه جملةً واحدةً تعترف بدم السوريين، لكنهم اكتشفوا فجأةً شجاعةً عاليةً في نقد أخطاء السلطة الحالية في دمشق. في الجهة المقابلة، لا تحتمل كثيرٌ من قوى الثورة الغالبة أن تُسأل عن انغلاق بعضها على بعض، أو عن ظلمٍ في مناطقٍ على حساب أخرى؛ كأنّ كلَّ نقدٍ يقرأونه خيانةً.

بين صمتٍ قديمٍ وانتقاداتٍ انتقائيّةٍ جديدة، يُهدَّدُ بالانهيار أهمُّ مكسبٍ كان يمكن أن يولد بعد السقوط؛ أن يتعوّد السوريون على انتقاد السلطة أيّاً كان اسمها، وأن يوسّعوا دائرة الأسئلة بدلاً من تضييقها. هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يحاول كاتب هذه السطور مقاربته: كيف سقط الانتقاد مع صعود الاستقطاب في سورية؟

في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2025، يوم الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، لم يظهر في البلاد مشهدٌ واحدٌ يمكن أن يلتقي حوله السوريون، بل أربع سوريّات متجاورة لا تتكلّم اللغة السياسية نفسها. في دمشق وحمص وحماة، ربّما حرصت السلطة الجديدة على ضبط الإيقاع؛ احتفالاتٌ محسوبة، وخطابٌ يقدّم ما جرى بوصفه "نجاةً للدولة" و"استمراراً للمؤسسات"، كأنّ المشكلة كانت في رأس النظام فقط لا في بنية الحكم التي بُنيت على الخوف والمحسوبيّات. أُعيد تأطير السقوط بوصفه عبوراً من شرعيّة إلى أخرى، وتأخّرت فرصة فتح دفاتر القمع القديمة.

في الساحل، وخصوصاً في بيئته العلوية، حيث دُفع الثمنُ البشريُّ الأعلى دفاعاً عن النظام، مرّ اليوم بصمتٍ كثيف؛ لا فرحٌ واضح ولا حدادٌ واضح. صمتٌ تختلط فيه مرارةُ الخسارة مع عجزٍ جماعيّ عن الاعتراف بأنّ تلك التضحيات وُضعت في خدمة سلطةٍ سقطت وتركت خلفها عائلاتٍ بلا جواب؛ من قرّر عن أبنائنا، ومن أرسلهم إلى الحرب؟ بدل أن يتحوّل السقوط إلى بداية مساءلة، بقي جرحاً معلّقاً بلا لغةٍ سوريةٍ تفكّك كلّ ذلك بخطابٍ واضح.

في السويداء، بعد عام، خرجت المدينة إلى الشارع تحت شعار "تقرير المصير"، في إشارةٍ إلى أنّ المسافة بين المركز القديم والجديد لم تُختَصَر، وأنّ الشعور بالتهميش أقوى من أيّ خطاب عن "سورية جديدة". أمّا في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فجاء الموقف أكثر برودة؛ لا احتفالات، ولا رغبة في الانخراط في سرديّة "ما بعد الأسد"، وكأنّ سقوط النظام هناك حدثٌ يخصّ دولةً أخرى لا يعيشون فيها.

معسكراتٌ تتواجه، وذاكراتٌ تتنازع، ومجتمعٌ يخاف أن ينتقد "أهله" أكثر ممّا يخاف من إعادة إنتاج الاستبداد

يدفعنا هذا التباين إلى السؤال عن قدرة السوريين على تبنّي معنى مشترك لسقوط نظامٍ مثقلٍ بالجرائم فوق مجتمعٍ مكسور. تحوّل المشهد إلى طبقة إضافيّة من الاستقطاب لأسباب عديدة، منها سلوكيات منحرفة فرديّة وجماعيّة في السلطة؛ كلُّ طرفٍ ثبّت قراءته الخاصة ليوم السقوط بوصفها الحقيقة الوحيدة، وراح يتصرّف انطلاقاً منها؛ من يرى نفسه خاسراً، ومن يقدّم نفسه ناجياً، ومن يعلن برودة الانفصال عن كلّ ما يجري. هكذا وُلدت خرائط جديدة للاختلاف في اللحظة نفسها التي كان يُفترض أن تتّسع فيها مساحة النقد المشترك لما جرى ويجري في سورية.

في جوهرِ المسألة، هناك سوءُ فهمٍ عميقٌ لمعنى سقوطِ النظام ولِما يفترض أن يفتحه من أسئلة. تعامل سوريون كثيرون مع السقوط بوصفه تعويضاً متأخّراً أو تصحيحاً لمعادلةِ قوّة، وليس بصفته فرصةً لإعادة تعريف قواعد العيش المشترك. احتاج كلُّ طرفٍ إلى أن يثبّت لحظتَه الخاصة من الحدث؛ من ارتاح لأنّ خصمه خسر، من رأى في ما جرى تهديداً لموقعه، ومن قرّر أن يقف خارج كلّ السرديّات. بهذه الطريقة، تحوّلت ذكرى السقوط إلى ما يشبه استفتاءً على الانتماءات أكثرَ منها نقاشاً حول شكل السلطة التي نريدها وكيف تُضبط.

خَلْف هذا كلِّه إرثٌ ثقيلٌ للطريقةِ التي تعلَّم السوريون بها السياسةَ عقوداً. الدولة الأمنية السابقة لم تترك وراءها أجهزةً وعنفاً فحسب، بل تركت أيضاً تصوّراً راسخاً للسياسة بوصفها توزيعاً للولاءات، لا تنظيماً لحقوق الناس. حين يسقط رأسُ النظام في هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر حضوراً: من يجلس مكانه؟ لا: ما هي حدودُ من يجلس مكانه؟ ومع غيابِ أيّ مسارٍ واضحٍ للعدالة الانتقالية أو لنقاشٍ جدّيّ حول المحاسبة، انحصر الخيالُ السياسيّ في استبدالِ أشخاصٍ وإعادةِ ترتيبِ مراكزِ نفوذ، أكثرَ من تفكيك آليّات الإقصاء التي حكمت البلد.

كان العام الأوّل بعد سقوط نظام الأسد أقرب إلى فترة اختبار منه إلى انتصار مكتمل

هناك عامل آخر يتصل بطريقة تشكّل الهوية السياسية في كل منطقة. ردّات الفعل على السقوط لم تُبنَ على معيار واحد للحق والعدالة، إنما على شعورٍ محلّيٍّ بالأمان أو بالتهديد؛ الساحل من خلال العلويين يقرأ الحدث من زاوية قتلاه ومصيره، السويداء من زاوية تهميشها وقلقها، الشمال الشرقي من زاوية تاريخه مع المركز، والشمال وبعض المدن التي حافظت على مسافة أمان مع المركز، كانت في النهاية تنظر إلى المسألة من زاوية استحقاق لثمرات الثورة. في غياب إطار وطنيّ جامع، صار كل طرف يوسّع مجال نفسه ويضيّق مجال الآخرين، ويعيد إنتاج معادلة "نحن" و "هم" بطريقة جديدة وعنيفة.

بهذه العناصر مجتمعة، لم نلحظ تحوّل السقوط إلى خطوة أولى نحو التحرّر من الإقصاء، وتبيّن في أحداثٍ كثيرة أن الإقصاء ما زال جزءاً من طريقة التفكير نفسها، مع تغيير الجهة التي تمارسه. ما زال كثيرون يفضّلون رؤية خصومهم خارج اللعبة بدلاً من قبول وجودهم داخلها بشروط جديدة. وما لم يُمسَّ هذا النمط في جذره، سيظلّ الحديث عن "مرحلة انتقالية" أقرب إلى تغيير أسماء على البوابة، لا إلى انتقال فعلي في طريقة إدارة الخلاف بين السوريين.

ظهر أحد التحوّلات الواضحة في معنى الانتقاد في الفضاء الافتراضي. نقاشاتٌ كثيرة كان يمكن أن تجري في قاعات عامة أو أطر مهنية وسياسية معروفة، انتقلت إلى منصّات مجهولة أو حسابات بلا أسماء حقيقية؛ صفحات وقنوات وتطبيقات تتولى في آن واحد سرد ما يحدث وإصدار الأحكام على الأشخاص. في هذا السياق، صار الانتقاد أقرب إلى تصنيف سريع للناس منه إلى بناء حجّة أو مساءلة مفهومة وواضحة. لنراجع مثلاً كيف كان تلقّي النقد الذي وجّهه أسامة عثمان بعد مقابلته التلفزيونية عن السلطة الحاكمة اليوم في دمشق؛ وهو المشهود له في كشف ملفات قيصر، تحوّل السجال والنقد في حالته إلى هجوم شرس ضد الرجل.

ظهرت ملامح مسار قد يرسّخ انتقالاً من استبداد مكشوف إلى حياة سياسية مشدودة بالاستقطاب

في هذا الفضاء، قد لا يُسأل صاحب الرأي عمّا يقترحه أو عن البدائل التي يطرحها، يُسأل أولاً إلى أي معسكر يُنسب. كثير من الحملات تنطلق من مقطعٍ مجتزأ أو إشاعة أو تعليق عابر. الاتهام يتقدّم على النقاش؛ تخوين وتشهير وربط آلي بين أي صوت ناقد وبين بقايا النظام أو شبكات قديمة أو قوى خارجية أو أجندات معادية للثورة، بحسب الجهة التي تطلق الحملة. بهذه الآلية يتحوّل الانتقاد إلى أداة لترتيب الناس في صفوف متقابلة، عوضاً عن أن يكون مدخلاً لفتح ملفات جدية عن أداء السلطة في دمشق أو عن الأخطاء في مواقع أخرى.

ينتقل هذا النمط سريعاً من الشاشة إلى الواقع. الحملات المنسّقة أو شبه المنسّقة تترك أثراً مباشراً في المناخ العام؛ كثيرون يتردّدون في التعبير بأسمائهم الصريحة، وبعض الناشطين والصحافيين يفضّلون الانسحاب، وأشخاص ومبادرات تُقاطع استناداً إلى موجات تشويه لا إلى معلومات موثوقة، وتتصرف أطراف في السلطة وفي المجتمع تحت ضغط ما تفرضه هذه الموجات من أحكام مسبقة. هكذا يصبح الانتقاد فعلاً محفوفاً بكلفة شخصية واجتماعية، ويختلط النقد المسؤول بحملات الاستهداف، فيعلو صوت المنصّات الأكثر ضجيجاً بينما تتراجع الأسئلة التي يحتاج السوريون فعلاً إلى مناقشتها.

كان العام الأوّل بعد سقوط نظام الأسد أقرب إلى فترة اختبار منه إلى انتصار مكتمل. ظهرت ملامح مسار قد يرسّخ انتقالاً من استبداد مكشوف إلى حياة سياسية مشدودة بالاستقطاب، يتحوّل فيها الانتقاد إلى أداة ضغط بين المعسكرات أكثر مما يُعامل حقّاً عامّاً للمجتمع. الخطر هنا يتصل بطريقة إدارة الخلاف؛ سوء فهم لمعنى السقوط وما يفرضه من مسؤوليات، خرائط متباعدة للذاكرة، استمرار الإقصاء بصيغ جديدة، وسجال افتراضي يؤثّر مباشرة في المزاج الواقعي. إذا استمر هذا الاتجاه، قد يجد السوريون أنفسهم أمام مشهد سياسي مختلف في الأسماء، قريب في الجوهر من أنماط السيطرة القديمة. الحدّ من ذلك يبدأ بالاعتراف بأنّ الانتقاد عنصر تأسيسي في المجال العام، وأن محاصرته في أي جهة تضعف الجميع. توسيع المساحة التي يُسمع فيها النقد بوصفه محاولةً للفهم والتصحيح، وبناء تقاليد لحوار يتحمل التوتر، قد يكونان من الشروط الأولى لانتقال سياسي بمعنى حقيقي لا شكلي.