سورية .. اللجنة الدستورية المعاقة

03 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

بين إقرار اللجنة الدستورية في مؤتمر سوتشي في 30 يناير/ كانون الثاني 2018، وانعقاد الجولة الرابعة للجنة في 30 من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، فاصل زمني يقارب الثلاث سنوات. وقد تمثلت حصيلة هذه المدة باتفاق الوفدين في الجولة الأولى على "مدوّنة سلوك" وتشكيلة اللجنة المصغرة التي تضم 45 عضوا لصوغ مسوّدات الإصلاحات الدستورية، واتفاقهما في الجولة الثانية على مناقشة "الأسس والمبادئ الوطنية" ومحدّداتها قبيل الدخول في مناقشة الدستور. أما الجولة الثالثة فلم تخرج بغير قرار وفد النظام تسمية نفسه "الوفد الوطني"، بعد أن كان يطلق على نفسه اسم "وفد مدعوم من الحكومة السورية"، في حين ستكون مهمة الجولة الرابعة الحالية مناقشة "الثوابت الوطنية" و"المبادئ الدستورية". 

وقد اعتبر بعضهم أن هذه الخطوات التي تحققت تشكل إنجازا مهما، لأنها: وضعت المعارضة ندّا تفاوضيا للنظام، مع ما يعنيه ذلك من اعتراف النظام بالمعارضة، وقبوله بأن حل الأزمة السورية سياسي. اتفاق الطرفين على "الأسس والمبادئ الوطنية" خطوة مهمة لجهة اتفاقهما على الإطار الدستوري أو على المبادئ ما فوق الدستورية. تسمية وفد النظام بأنه "الوفد الوطني" تعني أنه أصبح يمثل "الدولة السورية"، وفي هذا دلالة على قبول النظام باللجنة الدستورية واعترافه بها هيئة قانونية مناطا بها إيجاد حل سياسي.

لا يشكل جلوس وفد النظام مع وفد المعارضة دليلا على اعتراف النظام بالمعارضة، لأن اللجنة الدستورية فُرضت فرضا من المجتمع الدولي

بداية، لا يشكل جلوس وفد النظام مع وفد المعارضة دليلا على اعتراف النظام بالمعارضة، لأن اللجنة الدستورية فُرضت فرضا من المجتمع الدولي، ناهيك عن أن جلوس الطرفين يجعلهما متساويين في النقاش السياسي، وهذه شرعنة للنظام كأمر واقع أمام المجتمع الدولي وأمام المعارضة، وعند هذه النقطة تصبح اللجنة الدستورية خطوة إلى الوراء، إذا ما نُظر إليها من منظار الحقوق. أما اتفاق الطرفين على "الأسس والمبادئ الوطنية" فهو إجرائي، لأن هذه المبادئ موجودة بالأساس في كل القرارات الدولية ذات الصلة بالشأن السوري، وفي جميع البيانات، بما فيها البيان الختامي لمؤتمر سوتشي، فالجميع متفق على سيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين. ولا تشير تسمية وفد النظام نفسه "الوفد الوطني" إلى أنه أصبح يمثل "الدولة السورية"، بقدر ما تحمل اتهاما للطرف الآخر بأنه غير وطني. وقد جرى تغيير الاسم ضمن لعبة سياسية يقوم بها النظام، للإيحاء بأن الوفد يمثله، والأمر غير صحيح، فلو كان الأمر كذلك، لأطلق النظام على الوفد اسم "وفد الحكومة السورية"، وهي الصيغة التي يعتمدها النظام في تعريف وفوده في مؤسسات الأمم المتحدة. وهذه المسألة في غاية الأهمية، لأنها توضح آلية تفكير النظام من ناحيتين: أن النظام لا يريد أن يكون الوفد ممثلا رسميا له، كي لا يضطر مستقبلا إلى القبول بالنتائج التي قد تتمخض عن المفاوضات. وأنه يرفض الاعتراف باللجنة الدستورية هيئة قانونية، خوفا من أن تتحوّل، وفق معطيات معينة، إلى هيئة تأسيسية حاكمة، كما حدث في بعض الدول، وكما حدث في سورية نفسها عامي 1920 و1950.

تبين للمجتمع الدولي استحالة البدء من سلة الحكم التي تفترض، بالضرورة، نشوء هيئة حكم مناصفة بين النظام والمعارضة على الأرض السورية

صحيح أن أعضاء اللجنة غير منتخبين، لكنهم مختارون من المعارضة والنظام، أي أنهم حاصلون على الشرعية منهما. ومن منظور المجتمع الدولي، يشكل أعضاء اللجنة تمثيلا للمجموع السوري، بكل تنوعاته السياسية والجغرافية والطائفية. ليس الأمر مطروحا الآن، ولكن إذا وصل المجتمع الدولي إلى قناعة راسخة بعدم إمكانية فرض حلٍّ سياسي، قد يلجأ إلى هذا الخيار، وتحويل اللجنة إلى هيئة تأسيسية، حتى لو كان الأمر بأغلبية الأعضاء، لا بكاملهم.

وفقا لهذه المعطيات، لا يتوقع من اللجنة الدستورية أن تنتهي إلى حلّ في المديين المنظور والمتوسط، فهي لم تتشكل بالأساس من أجل إعطاء النظام والمعارضة السوريين فرصة للوصول إلى حل، وإنما شُكلت من أجل أن تكون المسألة الدستورية منطلق الحل، بعدما تبين للمجتمع الدولي استحالة البدء من سلة الحكم التي تفترض، بالضرورة، نشوء هيئة حكم مناصفة بين النظام والمعارضة على الأرض السورية. أما طبيعة الحل، فهذا أمر مناط بالمجتمع الدولي، لا بثنائية النظام/ المعارضة.