سورية… الجريمة وتداعياتها

14 مارس 2025

رجل ينظر إلى سيارات محروقة بعد اشتباكات في جبلة غربي سورية (11/3/2025 الأناضول)

+ الخط -

لا يمكن وصف ما شهده الساحل السوري في الأيام القليلة الماضية إلا بأنه جريمة مكتملة العناصر، طاولت مدنيين آمنين في حملة انتقامٍ طائفيةٍ لا يستطيع أحدٌ أن ينكرها، وفي المقدمة تأتي السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع التي أقرّت بحصول "انتهاكاتٍ" من عناصر محسوبين على هيئة تحرير الشام، من المفترض أنهم باتوا أفراداً في الأجهزة الأمنية الجديدة، وشكّلت لجان تحقيق للتدقيق بما حدث ومحاسبة المتورّطين.

كثير من السرديات خرج لشرح  الجرائم (وتبريرها) باعتبارها وقعت من "أفرادٍ غير منضبطين"، وأن لا علاقة مباشرة لـ"الأمن العام"، وهو المسمّى الجديد للقوى الأمنية التابعة للهيئة. غير أن حجم الاعتداءات والإعدامات في عديد من مدن الساحل السوري وقراه يؤكّد أن الأمر أكبر من "أعمال فردية"، ويقترب من العمل الانتقامي المنظّم، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى عدد القتلى الذين سقطوا، وسيتكشف مع الوقت. فرغم أن عدد الضحايا الموثقين لا يزيد عن الألف، تتحدّث تقديراتٌ عن أن العدد قد يتخطّى خمسة آلاف.

وحتى لو افترضنا أن كل ما حدث كان نتيجة انفلات عناصر لا تُدين بالولاء الكامل لهيئة تحرير الشام أو الأجهزة الأمنية الجديدة، فذلك لا يُعفي السلطات من المسؤولية، خصوصاً أن هذه العناصر عملياً تعمل تحت لواء السلطة، بعد قرار حلّ الفصائل وإدماجها ضمن الأجهزة الأمنية الجديدة، وهو ما أدركه النظام بإعلانه تشكيل لجنة التحقيق، والتي نأمل أن تكون جدّية في المحاسبة والعقاب.

ما جرى يحمل مخاطر وتداعياتٍ كثيرة على سورية الجديدة التي كنّا متفائلين بنهوضها بعد أكثر من 50 عاماً من حكم حزب البعث. بداية التداعيات داخلية، وتطاول، بالدرجة الأولى، الفئات التي تعتبر نفسها أقليةً في النسيج السوري، التي لم تعد تشعُر بالأمان في محيطها، وهو ما يفتح باباً للتدخّلات الخارجية في الوضع السوري. وفعلاً خرجت مطالباتٌ كثيرة بالوصاية الدولية لحماية "الأقليات" في سورية. ويضاف إلى ذلك المحاولات الإسرائيلية، السابقة لأحداث الساحل، لاختراق المجتمع الدرزي السوري من باب "الحماية". مثل هذه المحاولات المتوقع أن تتضاعف، وقد تجد لها آذاناً أكثر إصغاء في هذه المرحلة.

واضحٌ أن السلطات الجديدة تدرك ذلك، وسارعت إلى محاولة احتواء الأمر وتطمين أطياف المجتمع. ولعل الاتفاق الذي وقّعه الشرع مع زعيم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مظلوم عبدي، خطوة كبيرة في هذا الاتجاه، غير أن العبرة في التطبيق، وخصوصاً أن العناوين في الاتفاق عامة جداً، ومن شأن عدم الاتفاق على تفاصيلها إفشال أي تفاهمات، سواء بالنسبة إلى كيفية دخول قوات "قسد" في الجيش، أو نسبة توزيع النفط بين المحافظات، وغيرها نقاط كثيرة ستدرسها اللجان على مدى عام.

لا تقلّ التداعيات الخارجية لأحداث الساحل أهمية، سيما أن السلطة الجديدة تعوّل بشكل أساسي على انفتاح الخارج عليها لمحاولة ترميم الواقع الاقتصادي المنهار في الداخل. لم تعفِ المواقف الغربية من جرائم الساحل السلطة من المسؤولية، ما من شأنه أن ينعكس على أي تقدّم محتمل في خطوات رفع العقوبات عن سورية، والسماح بتدفق الأموال إليها. ولا شك أن تقارير ستصدُر قريباً عن منظمّات حقوقية دولية تفند الوضع وتوثق الأحداث، ما قد يزيد تعقيد الموقف الدولي من النظام والانفتاح عليه والثقة به.

السلطة الجديدة اليوم في موقف حرج، فعدم رفع العقوبات والتخفيف من الفقر يعني مزيداً من التوترات الداخلية، لذا عليها اتخاذ خطوات أكثر جدّية في مكافحة آفة الطائفية في الداخل السوري قبل استفحالها، وإثبات أنها جديرة بالثقة في قيادة سورية إلى برّ الأمان، وليس إلى الهاوية، في هذه المرحلة الانتقالية.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".