سنةُ البَينَ بَين...
(كريم رسن)
كلّ عام وأنتم بخير. كلّ سنة وأنتم طيّبون. كلمات لا نبخل بها في مثل هذه الأيّام، سواء كانت السنة عصيبةً، كبيسةً، أم بلا رأسٍ أصلاً. وأغلب الظنّ أنّنا لن نجد توصيفاً لسنة 2025 أفضل من "سنة البين بين". فهي كذلك في وقوفها حدّاً فاصلاً بين عالم القيم الكونيّة وعالمٍ ينسلخ من جلده القيميّ في اتّجاه الذكاء الاصطناعي والـ"سيبورغ" اللاأخلاقيّ. يصعب طبعاً أن نملك خلاصةً لنهاية كلّ سنة وخطّةَ عملٍ في بداية أخرى. الخلاصةُ أحياناً ادّعاءُ سيطرةٍ على زمنٍ بلا معنى، والخطّةُ أحياناً رهانٌ على المجهول. وأقصى ما نستطيع في "البين بين"، بين سنةٍ تشرق وأخرى تغرب، أن نقف على الحافَة، وأن نقول: هذا ما حدث تقريباً، وهذا ما يمكن أن يحدث، وهذا ما لا نفهمه بعد.
انتهت السنة كما بدأت: بأخبارٍ عاجلةٍ فقدت عجلتها وبأملٍ يتدرّب يومياً على التنفّس الاصطناعي. سنةٌ أخرى علّمتنا أن العالم لا ينهار دفعةً واحدة، بل بالتقسيط "المُتعِب"، وبأقساطٍ بلا فوائد أخلاقية. ما من كارثةٍ إلا وتأتي مرفقةً بتطبيق. ما من مجزرةٍ إلا وتجد من يُدافع عنها بوصفها "وجهة نظر". يمكننا أن نقول في نهاية هذه السنة إنّ اللغة تعبت. إنّ الكلمات الصارخة صارت هامسة. إنّ الفضائح فقدت قدرتها على الإدهاش، والدم يكاد يلتبس بالماء. لم يعد السواد الأعظم يبحث عن المعنى، بل عمّا يزيح عنه المسؤولية: عن الأخبار المُنوِّمة، وعن الحقائق التي تشبه حبوب الهلوسة. ويمكننا أن نقول أيضاً إنّ الإنسان اكتشف حدود تعاطفه. ليس لأنه صار شرّيراً، بل لأنه صار مُنهكاً. أصبح التعاطف في هذا الزمن مورداً نادراً يُدار مثل الطاقة: يُطفأ في مكانٍ كي يظلّ مشتعلاً في أماكن أخرى، هي غالباً الأقلّ كلفة. هكذا وُلد مفهوم "التعاطف الذكي": أن تشعر بما لا يُلزمك.
في نهاية السنة، يمكننا أن نُقرّ بأنّ السخرية صارت آخر أشكال الصدق، ما من وثيقة إدانةٍ تبقى غير النكتة، حين يعجز التحليل عن الإقناع ويُتَّهم الغضب بالمبالغة. ليس الضحك هروباً في المطلق، بل هو أحياناً طريقة دقيقة لقول ما لا يُقال إيذاناً بما لا يُحتمل. لذلك نرى تراجع نسبة الكوميديا في المسارح والفضائيّات وارتفاع منسوبها في الشوارع وفي قنوات التواصل. لم تعد السخرية اليوم خفّةً، بل استعادت دورها المقاوم.
وماذا عن السنة المقبلة؟ الحقّ أنّنا نأمل أن نكون بأفضل حالٍ في أفضل سنة ممكنة، أو على الأقلّ أن تكون السنة المقبلة أفضل من سابقتها. لكنّنا سرعان ما نشعر برغبةٍ في التواضع، فنطلب منها (فقط) أن تكون أوضح. أن تُقلّل الأقنعة. أن تُظهر الأسعار الحقيقية للأشياء: سعر الصمت والكلام، سعر الحياد والانحياز، سعر التخاذل والمقاومة، سعر الأمل نفسه. أن تكون سنةً نفهم فيها أن التفاؤل ليس موقفاً أخلاقياً في حدّ ذاته، وأن التشاؤم ليس خيانة.
لن يتغيّر العالم كما نريد في السنة المقبلة، إلا أن في وسعنا أن نُربك منطقه: أن نُعيد وصفه بأسمائه الأقلّ نفاقاً، أن نُشكّك في مسلّماته، أن نطرح الأسئلة غير المرغوب فيها، تلك التي لا تجد راعياً إعلامياً ولا ختماً رسمياً. ويمكننا أيضاً أن نسمح لأنفسنا بشيءٍ من الهشاشة: أن نعترف بأننا لا نعرف، وبأننا أخطأنا في تقدير البشر، وفي تقدير الأنظمة، وربّما في تقدير قدرتنا على الاحتمال. الهشاشة هنا ليست ضعفاً، بل بداية إعادة ترتيب؛ مثل بيتٍ تكسّر فيه الزجاج، فصار يرى الخارج أخيراً.
في نهاية هذه السنة وبداية المقبلة، يمكننا الاعتراف بأنّنا نحن أيضاً "بين بين"، مثل السنة نفسها: لسنا بالخير كلّه، لكنّنا لسنا بالسوء كلّه. أليست تلك طبيعة الأحياء؟ نحن لا نتحرّك كما ينبغي، لكنّنا لم نفقد الحركة. لم نُصبح حكماء، لكنّنا بتنا أقلّ سذاجة. لسنا منتصرين كما نودّ، لكن الهزيمة لم تُحسم. وليس أمامنا طبعاً غير أن نتشبّث بآخر ما في الإنسان من إنسانيٍّ، كي نجعل من منطقة "البين بين" منصّة انطلاق. وما دام في اللغة ارتعاشة، وفي الجسد خطوة، وفي الفكرة قدرة على السخرية من نفسها، فليس هذا نهاية الأمر، بل مجرّد فاصلة في جملةٍ طويلة لم تُنهِ معناها بعد.
في انتظار ذلك... كلّ عام وأنتم بخير.