سموّ الشيخ سليمان الهذالين

سموّ الشيخ سليمان الهذالين

23 يناير 2022
+ الخط -

ربّ "حرٍّ" أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على فلسطين لأبرّته. وقد أقسم، وقد أبرّته.

لم أتحدّث عن "عبد" بل عن رجل بالغ الحرية، عن سموّ الشيخ سليمان الهذالين، أما "العبيد" فلهم مقولة أخرى، بدأت بأوسلو وانتهت بدفع الأبواب في وجوههم في تل أبيب.

لم تستوقفني أيّ مرثاة قيلت بحق عجوز نقل الحبّ من كهف المشاعر المجرّدة إلى فلك الفعل المقاوم؛ لأنّه كان يدرك أنّ الحبّ فعل يسبق القول، ولا عن مسنّ كانت لعصاه "مآرب أخرى" غير التوكؤ، وإن كنتُ تمنّيت لو كانت من مآربه الأخرى أن يهشّ بها على "القطيع" المختبئ في زرائب رام الله، لكنه، بحكم مبادئه الفطرية، لم يكن يعرف إلا عدوًّا واحدًا هو المحتلّ.

استوقفني فقط، في رحلة العجوز الشهيد، ذلك السباق الذاتي المحموم مع شيخوخته، عندما أيقن أنّ ما يهزم الشيخوخة طفولة الحجر، وشرارة التحدّي في العيون التي تثقب المخرز، ومطاردة الجيب العسكري من حيّ إلى آخر، والانتصاب في وجه الجنديّ الذي تعلوه ألف علامة استفهام عن عجوزٍ يفرّ من دعة الشيخوخة والاسترخاء على كرسيّ قش في المقاهي وأمام عتبات البيوت، ليزاحم الشباب في تظاهرات الاحتجاج والاعتصام، ليكون في أول الصفوف.

كان الهذالين يهرب من الشيخوخة التي يعرف جيدًا أنّها لو فرضت شروطها فستخسر فلسطين مدافعًا عنها في زمنٍ شحّ فيه المدافعون، وكثر فيه المفرّطون. والأهمّ أن كل مدافع حقيقي في فلسطين يعتقد دومًا أنه آخر المدافعين عنها، فيقاتل بروح الجماعة، كأنّه يختزن جيشاً من العسكر في داخله. وعلى الطرف المقابل، يواجه عدوّين معاً: المحتلّ والزمن، فهو مدركٌ أنّ الزمن لم يعد في صالحه، كما حاول أن يقنعه عرب ما وراء الحدود قبلاً، عندما أخبروه ذات نكسةٍ أنّ الزمن كفيل بدحر العدوّ وإحقاق الحقّ، تهرّباً من مسؤولياتهم. وحين شاهد أنّ للزمن العربيّ مفعولاً عكسيّاً قوامه الانكفاء القُطريّ، والتقوقع الحدودي، وهجمات التطبيع المتلاحقة، أدرك أنّ الزمن عدوّ يحالف عدوّاً يعرف جيداً كيف يوظفه لصالحه. فضلاً عن أنّ الزمن الذاتي عدوّ هو الآخر إذا راكم في عمر المرء سنواتٍ جوفاء منزوعة التحدّي وروح المغامرة.

وعلى طرف ثالث، لم يحسب سموّ الشيخ سليمان الهذالين حسابه بحكم فطرته البدويّة، كما أسلفنا. كان للزمن مكرهة جديدة، أعادت "عجائز" من بني جلدته من المنافي، بعد أن أعيدت صياغتهم في دوائر الأنظمة العربية، بكل محمولاتها القمعية والتفريطية، ولا يحملون غير عصا ليس لها أيّ "مآرب أخرى" غير الجلد، والتطويع، وحني الرؤوس والقامات، وتدجين شعبٍ عجزت عن تدجينه كل آلات المحتل القمعية. هنا اتضح للشيخ الهذالين جيداً الفرق بين شيخوخةٍ شابت على حبّ الوطن والموت دونه، وأخرى شابت على خيانة الوطن والحياة دونه، فأدرك أنّ عليه أن يواجه خصماً بثلاثة رؤوس وجسد واحد: المحتل والزمن والمفرّط. مثلما أدرك، أيضاً، أنّ ترك الحبل على غاربه لهؤلاء "الشيوخ" إنّما يعني شيخوخة الوطن نفسه، لأنّ الأوطان تشيخ، كذلك، عندما يحكمها عجائز من طراز "الثوار القدامى" الذين لم تتجدّد البندقية في دمهم.

كانت معركة غير متكافئة، بالتأكيد، مع هذا الخصم ذي الرؤوس الثلاثة، والأصعب أن يبحث المرء عن الرأس الذي قتل الشيخ سليمان الهذالين من بينها. لكن بالتأكيد ليس رأس الزمن الذي عجز أن يهزم هذا العجوز حتى آخر نبضٍ فيه، فيما يبقى رأسان آخران لا يحتاجان إلى تحرّيات كثيرة لمعرفة القاتل بينهما، بعدما اتحدت دماؤهما وعروقهما، وهدفهما المشترك: قتل كلّ من يرفع قفاز التحدّي بوجه محتلّين اثنين، أحدهما احتلّ الأرض، والآخر ما زال يحاول احتلال الإنسان... لكن هيهات.