سلطة رام الله والاعتقال التعسفي

سلطة رام الله والاعتقال التعسفي

21 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

أصدرت مجموعة "محامون من أجل العدالة" في 21/6/2021 تقريرها "الاعتقال التعسفي خلال عام من حالة الطوارئ (5.3.2020 - 5.3.2021)". يطلعنا على انتهاكات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية خلال هذه الفترة، منوّها إلى أن الحالات الـ 79 المذكورة هي للاعتقالات التي تابعها أعضاء المجموعة فقط. وفي بيان لها صدر في 23 الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، لاحظت المجموعة ارتفاعا في حالات الاعتقال على خلفية الرأي أو الموقف والنشاط السياسي، حيث رصدت اعتقال أجهزة السلطة ما يقارب مائة فلسطيني، منذ إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة أواخر مايو/ أيار الماضي.

يبدو عدد 79 حالة اعتقال، للوهلة الأولى، صغيرا، قياسا بأعداد الاعتقال في سورية ومصر مثلا، غير أنه كبير وخطير إن تم عرضه في سياقه الصحيح، 79 حالة من 3.05 ملايين مواطن فقط، أي 0.002% من تعداد سكان الضفة، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2020. إذ تعبّر النسبة عن سلوك قمعي واضح وانتهاك للحقوق الأساسية، سيما إن قورن مع نسبة المعتقلين تعسفيا في سورية للعام 2020، والبالغ 0.003%، وهذه أقل حصيلة اعتقال يمارسها نظام الأسد منذ اندلاع الثورة السورية، وقد كان أكبرها في 2012 بنسبة بلغت قرابة 0.114%. وبالتالي، لا يمكن الاستهانة بـ 79 حالة اعتقال سياسي وتعسفي ضمن مناطق السلطة الفلسطينية، سيما إن أخذنا بالاعتبار عدم شمولية العدد جميع حالات الاعتقال التعسفي أولا، واستثنائه حالات الاعتقال المرتكبة من أجهزة الدولة الصهيونية ثانيا، وأولوية الصراع الشعبي مع الاحتلال ثالثا. ما يعني احتمال تضاعف الرقم عدّة مرّات (وقد تضاعف بنحو أربع مرات وفق بيان المجموعة) في حالة تصاعد الموجات الاحتجاجية على ممارسات السلطة الفلسطينية وسلوكها وأدائها ونهجها، بشقيها الأمني والسياسي، وهو أمرٌ غير مستبعد في الأشهر المقبلة، سيما إن أُخذ بالاعتبار توالي الفضائح والانتهاكات السلطوية، وتراجع حضورها الشعبي سياسيا، واقتصار حضورها في أوساط المنتفعين منها ومن حركة فتح.

تنذر ممارسات السلطة منذ ما يزيد على عام بأننا مقبلون على مرحلة حرجة

وعليه، وبالعودة إلى التقرير، نجد في حالات الاعتقال التعسفي 20 حالة اعتقال على خلفية حرية الرأي، و17 على خلفية العمل النقابي، و23 لأسباب سياسية، وستا على ذمّة المحافظين غالبيتها ذات أسباب سياسية، في مقابل اعتقال 23 حالة بذريعة حالة الطوارئ، وإن كان التحقيق مع غالبيتهم عن طبيعة نشاطهم السياسي أو النقابي أو الإعلامي، أو على خلفية مواقفهم المعلنة افتراضيا أو وجاهيا. كما أثار 21 معتقلا ادّعاءات تعرّضهم لاعتداءات جسدية في الاعتقال والتحقيق، حيث ذكر حالات تعذيب واعتداء، وكذلك لم تبرز أجهزة الأمن مذكّرات توقيف عند اعتقال 41 منهم (أكثر من النصف)، وهو ما يعتبر مخالفة قانونية. وفي التقرير إفادات لـ 43 معتقلا عن عدم التزام الأجهزة الأمنية، بشكل كلي أو جزئي، بالبروتوكولات الصحية، على الرغم من تذرّع السلطة بإعلان حالة الطوارئ لمكافحة فيروس كورونا.

بات دور السلطة الوظيفي ودورها في كبح الشارع الفلسطيني والسيطرة على إمكاناته وموارده علنيا ومباشرا وفجّا

وجدير بالملاحظة، بعد مطالعة التقرير، حجم انتهاك الأجهزة الأمنية القوانين الناظمة لعملها وللمعاهدات الدولية التي وقعت عليها السلطة، بل يلاحظ أيضا في الحالات التي تم الاعتقال فيها، وفق خطوات إدارية تبدو صحيحة، ابتعاد مجريات التحقيق مع المعتقلين عن التهم التي اعتقلوا بذريعتها، فمثلا نجد توثيق التقرير ست حالات اعتقال بتهمة "جمع وتلقي أموال من جمعيات غير مشروعة"، في حين تكرّر استخدام النيابة العامة تهمة "حيازة السلاح" في 19 مرة؛ وهي تهم تساعد على تمديد الاعتقال بشكل قانوني نظريا؛ في حين واجه باقي المعتقلين تهما أخرى، مثل "إثارة النعرات الطائفية" و"التجمهر غير المشروع". إذ يبدو الاعتقال، وفق هذه التهم، مشروعا وقانونيا، غير أن مجريات التحقيقات الفعلية تتّجه بعيدا عن هذه التهم "الشكلية"، متوجهة مباشرة إلى نشاط المعتقلين السياسي أو النقابي أو الصحافي، أو محاسبته على ممارسة حقه في التعبير عن رأيه من أداء السلطة وفسادها وانتهاكاتها المتكرّرة، ما يوضح أن لائحة الاتهام المذكورة مجرّد حبر على ورق. كما تكشف جلسات المحاكمات، في حالات الاعتقال المحوّلة إلى النيابة العامة، صدور حكم بالبراءة لستّ حالات، وتحفظ النيابة العامة على 12 ملفا بسبب عدم كفاية الأدلة، في حين تؤجل حتى لحظة كتابة التقرير محاكمات 22 معتقلا بشكل دوري، غالبا بسبب عدم حضور شهود النيابة العامة. كما يلحظ إخلاء سبيل 18 معتقلا من دون عرضهم على أية جهة قضائية. في حين اقتصرت حالات إدانة المعتقلين على ثلاث حالات، لم يخضعوا لمحاكمات عادلة، حيث تم (وفق التقرير) إصدار الأحكام بسرعة من دون المرور بالإجراءات السليمة، وفي غياب محامي الدفاع بسبب إضراب نقابة المحامين. ويفند التقرير شرعية حالة الطوارئ قانونيا، استنادا إلى قانون السلطة الأساسي، كما يؤشر على الممارسات الأمنية والسلطوية التي تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كون السلطة موقّعة عليها جميعا. بالإضافة إلى ذلك كله، أصدر مجلس وزراء السلطة القرار رقم 3 لعام 2021 في 5/7/2021، يلغي نص المادة 22 من القرار رقم 4 لعام 2020، وهو ما يقوّض الحريات، سيما بالنسبة لموظفي السلطة.

تنذر ممارسات السلطة منذ ما يزيد على عام بأننا مقبلون على مرحلة حرجة لا تقبل المراوغة، حيث بات دور السلطة الوظيفي ودورها في كبح الشارع الفلسطيني والسيطرة على إمكاناته وموارده علنيا ومباشرا وفجّا، وهو ما يفرض على الشارع الفلسطين، في الضفة الغربية خصوصا، حسم أمره والتحرّك من أجل استعادة قدراته وإمكاناته وحريته منها، خطوة ضرورية من أجل خط مسار التحرر الوطني وتحقيقه في أقرب وقت ممكن.