سلاحٌ ذو حدّين

سلاحٌ ذو حدّين

21 اغسطس 2021
الصورة

(كوزنسكي)

+ الخط -

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك تحديدا) منبرا بالغ الأهمية لكل من يريد قول أي شيء، أو يطرح فكرةً خطرت له، أو يناقش أمرا مهما، أو يكتب عن حدثٍ جلل، أو ينشئ حسابا لمجرّد التسلية والتواصل مع الآخرين، جميعنا استفدنا من هذا العالم، خصوصا في عقد الربيع العربي وأحداثه الهائلة، وفي التغريبة التي كانت مصيرنا، أو في العزلة بعد فشل الربيع العربي، أو المفروضة مع ظهور فيروس كوفيد 19. لقد تحول هذا العالم إلى حالة إدمان، لا يمكن إلا لصاحب إرادة عظيمة العيش بعيدا عنه، وبات المصدر الأول لمعظم الأخبار والأحداث في العالم.

ومع أن وسائل التواصل ساعدت جدا في رفع الغطاء عما كان مسكوتا عنه خلال زمن طويل، سواء كانت أفكارا أو عادات أو جرائم مجتمعية وسياسية، أو الكشف عن مواهب كانت ستبقى متوارية من دون أن تجد من يُظهرها، أو تجد فرصةً لتعطي ما لديها، خصوصا في الكتابة الإبداعية (على الرغم من أن بعض أصحاب المواهب المتواضعة تحوّلوا نجوما افتراضيين)، إلا أنها لعبت دورا كبيرا في تمييع قضايا كثيرة مهمة في مجتمعاتنا، تحتاج إلى مختصين وباحثين، وربما أكاديميين، للخوض فيها أو طرحها ومناقشتها. ما حدث أن قضايا بالغة الأهمية أصبحت ممجوجةً وثقيلة الدم وباهتة، بسبب كثرة الادعاءات في الانتماء لها، أو بسبب تبنّيها من أشخاصٍ لا غاية لهم سوى التباهي الافتراضي بانحيازهم إليها، بدءا من الأفكار الصوفية التي مرجعها الوحيد لمكتشفي هذه الأفكار الجدد، هو رواية التركية إليف شفق "قواعد العشق الأربعون"، مرورا بقضايا نفسية، كالاكتئاب والنوازع الانتحارية، والتي تحتاج إلى مختصين للحديث عنها، لا إلى صفحاتٍ يشرف عليها أيٌّ أحد، وتضم عشرات الآلاف يفتون بقضية خطيرة كقضية الاكتئاب، وليس انتهاء بأفكار وقضايا أكثر جدّية وإلحاحا في مجتمعاتنا العربية.

من هذه القضايا التحرّش والاعتداءات الجنسية التي تعرّضت وتتعرض لها نساء في العالم، وطبعا لمجتمعاتنا العربية النصيب الأكبر منها، بسبب التواطؤ على تجاهل هذه القضية والسكوت عنها، خصوصا إذا كان الاعتداء من "المحارم"، أو خشيةً على سمعة المتحرَّش بها وسمعة محيطها، أو حتى خوفها هي ذاتها من التعنيف الأسري والمجتمعي، إذ سيكون سلوكها هو السبب في التحرّش، لا ذكورية المجتمع المريضة. ساهمت وسائل التواصل كثيرا في فضح التحرّش وأصحابه، وساعدت فتيات ونساء كثيرات على الحديث عن تجارب تحرّش واعتداء جنسي تعرّضن لها، وربما أيضا ساعدت في ردع المتحرّشين خشية الفضيحة والعقاب القانوني. لكن، أصبح إطلاق لقب "متحرّش" أمرا سهلا على أي كان. وقد قرأت كل ما كتب على الصفحات والمدونات المختصة بهذا الموضوع، ويمكنني الجزم أن بعض ما قرأته لا أساس له من الصحة، ليس لأن المتهمين بالتحرّش بريئين من هذه التهمة، بل لأن الأسلوب الذي كتبت به الحكاية هو أسلوب كاتب رجلٍ لا كاتبة، وهو أمرٌ يمكن لمحترف الكتابة تمييزه. وسنكون ساذجين إذا افترضنا أن الغيرة المهنية لا تجعل صاحبها يستغلّ موضوعا كالتحرّش، للإساءة إلى سمعة منافس له. وسيكون من السذاجة أيضا الافتراض أن النساء والفتيات كلهن بريئات، وأن الرجال كلهم ذئاب، وأنه لا يمكن لأي فتاةٍ الادّعاء أن رجلا ما تحرّش بها، سواء لسوء فهم تصرّف ما، أو رغبةً في الانتقام لأي سبب. المشكلة أن جسم الذكر "لبّيس" في قضايا التحرّش، و"القطيع" الافتراضي جاهز لتداول الحكاية، من دون التأكد من مصداقيتها، ومن دون الاكتراث بمصير المتهم وسمعته، في حال اكتشاف أن الحكاية عنه مجرّد تأليف. حدث هذا مرّات عديدة، يتم الاكتشاف أن الحكاية المروية على لسان فتاةٍ تعرّضت للتحرّش من ذكر ما لا أساس لها من الصحة، لكن "الفاس يكون قد وقع في الراس"، ووصم المتهم بصفة أبدية، ربما ينساها من تداولوها، وأساؤوا للشخص المعني. ولكن حتما هو لن يتمكّن من تجاوز شيء كهذا بسهولة، خصوصا إن كان شابا يؤسّس لمستقبل حياته.

ثمّة قضية أكثر أهمية، "التنوير" في العالم الافتراضي، لكنه موضوعٌ بقدر ما هو جدي ومهم بقدر ما يصبح أشبه بالكوميديا في العالم الأزرق، ويحتاج فعلا لمساحة خاصة به، وهو أكثر القضايا التي تدلّ على أن عالم الافتراض سلاح ذو حدّين.