سعيدٌ من عرف الأشياء البسيطة وأتقنها
(لؤي كيالي)
صانع الأسبتة: قليل من عيدان الغاب في حزمة محبوكة جيداً، وسكّين، وقدّوم من الخشب، ومثقاب من الصلب بجوار ركبة عم أحمد الصعيدي، رأس مال عزيز لا تفارقه العين، وخصوصاً حينما يرى بجواره أصابع الصغار، لا يتغنّى بطرف موال أبداً، ولكن دائما وكأنه قبض على محنة ما تخصّه وحده، ولا يحادث أي أحدٍ لا في أمر هزلي أو حلو، حتى النساء، حتى أجمل النساء، وكأنه أغلق صفحتهن تماما من زمن.
كتفٌ رقيقٌ انحنى من التعب وعين نبيهة مع السكين والغاب ولؤم الشاري، هي عبارة قاطعة وحيدة يختمها بكلمات "والله ال عجبُه الكحل يتكحل" من دون أن تظهر ابتسامته، وبذلك يقطع طريق المفاصلة على سعر السبت تماماً، ولا بد أن تكون قروش السبت في جيب الصديري، قبل أن يضرب السكين في عود الغاب، وإلا لمّ عدّته وغابه ومشى.
يزعق من أي لمسة لأدواته البسيطة أو حتى لحزمة عيدان الغاب، وخصوصاً وهو مشغول في صناعة السبت، وظهره محتمٍ بجذع نخلة أو حائط قديم والشمس سارحة مع عيدان الغاب، يحدّد سعر السبت من دون أن ينظر في عين الشاري وهو مشغولٌ في عمله مع الغاب، ولا يستمع لأي كلام جانبي مهما كان مهمّاً، فقط أصابعه مع السكين والغاب وعينه ثابتة وحزينة أو في كرة أرضية أخرى، يبني فيها حصونها ويشيّد أبراجها وحده، وحينما ينهي عمله وينفضّ سامر جلسته التي قد تطول حتى غياب الشمس، غالباً ما يضمضم ويشتم بكلمات ما غير واضحة من دون أن يقصد أي أحد، ومن دون أن يدرك الجلوس من يقصده أو يعنيه.
يغيب عم أحمد الصعيدي بالسنة أو السنتين، ويأتي هادئاً كما هو، يجلس بالعدة والغاب، بالجلباب القديم نفسه الذي لا تتبيّن لونه واللاسّة القطن، والحزن القديم الثابت نفسه.
بائعة المناديل: من خلال تلك الطفلة الصغيرة عرفتُ أن المرء محظوظٌ بشخصيّته، وليس هو من يبنيها أو يخلقها، كيف لصغيرةٍ تبيع المناديل على المقاهي وأحيانا تنعس فوق الكرسي وفي يدها الفلوس وكيس المناديل، كيف لطفلةٍ في الخامسة من عمرها أسّست لمعمار شخصيتها في الشارع، رغماً عن كل ما حولها، من دون أن تمرّ على عالم النفس فرويد في مكتبة أو يونغ أو بافلوف، وحمة كبيرة على صدغها الأيسر وعيون رائعة ومنتبهة تضبط بها إيقاع مشيتها واقترابها الهادئ جداً من الجالس، من دون أي تنازل عن السعر الذي حدّدته ببلاغة نظرتها وإرادتها، لا عالم النفس فرويد ساعدها على ذلك، ولا أي مكتب مرموق علّمها ذلك الثبات الانفعالي أو ضبط الأعصاب، ولا الأكبر منها سناً من بنات الشارع في المهنة نفسها، استطعن أن يفرضن إرادتهن عليها، رغم فستانها المزركش وشبشبها، ورغم أي عنتٍ تعد فلوس الساعتين في يدها وتشتري لنفسها "المرندا"، وتظلّ على حالها شاردةً وكأنها شاعرة، ومن دون أن تجري أو تتزاحم لبيع المناديل كما تفعل البنات بهمّة وكأنهن أمهات صغار.
حالة خاصة وعزيزة، لا تمدّ يدها للتسوّل أبداً من خلال متابعتي لها خلال سنتين، ولا تلحّ على زبون من أجل البيع، وتشتري من حر ما تملك ما تريد. دائماً أراها تمشي في كامل فرحها وأحياناً تدندن بما لا أسمعُه أبداً، ولا تستحي من ملابسها مهما كانت واسعة عليها، تُمسك معادلة خطواتها جيداً، وكأن الشامة الكبيرة في خدّها الأيسر تضبط لها ميزان شخصيتها وخطواتها، فهل في شامتها سرٌّ ما، رغم كل تلك الحيرة التي تتلبس عينيها فتجعلهما أكثر جمالاً؛ زهرة تخطو كل صباح في بستان ذلك العالم المتوحش.
عبد الله أبو بشارة: صانع "الطنابير" والحريف مع الخشب، ومن يريد أن يصنع طنبوراً للري ويدخل بيته غيره، فهو عبيط، وسوف يرمي نصف خشبه في الهواء، يدُه تلامس في نعومة مراوح الخشب، وكل مروحةٍ مثقوبةٍ من وسطها بالأزميل الناعم، يدخل في هدوء ساحر مراوح الخشب بعد اكتمال ثقوبها في "القلب" الحديد، ويلفّ على المراوح، الصاج، ويلفّ الشنابر من حول الصاج كأحزمة، وكل آن يثبت الصاج في أطراف المراوح الخشب بالمسامير، حتى يكتمل البناء تماماً ويسحب آخر نفس من سجائره اللف، بعد أن يركن علبة السجائر الصاج في جيب الصديري، ويلم بقية العدة، واضعاً فلوس صناعة الطنبور في جيبه، في الغيط، مع دلقة أوائل الماء من حنك الطنبور في المجرى الضيق مع نسمة الهواء، يتغنّي والدي بصنعة عبد الله أبو بشارة، وحينما يمتلئ المجرى ويكتمل الماء ويزغرد ما بين خطوط الشامي، يبدأ الغناء: "يا ليل يا عين".