سد النهضة وأديس أبابا التي تناور

سد النهضة وأديس أبابا التي تناور

31 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

دخلت أزمة سد النهضة مرحلة جديدة من التصعيد والمواجهة الدبلوماسية، مع إعلان إثيوبيا انتهاء المرحلة الثانية من الملء، وما تضمنه ذلك من رسائل عديدة، أهمها مضي إثيوبيا في طريقها، وفرض إرادتها، بالإضافة إلى احتمال حدوث تحول نوعي، وهو بداية مرحلة التشغيل وتوليد الكهرباء (من توربينين)، حالة جهوزية السد فنيا. وأمام هذا المشهد، تسعى كل من القاهرة والخرطوم، عبر تكثيف جهودهما الدبلوماسية، إلى عودة المفاوضات بآليات جديدة، تشارك فيها أطرافٌ دولية برعاية الاتحاد الأفريقي، وهو ما بدا باتصالات القاهرة مع الاتحاد الأوروبي والصين وبريطانيا ودول أفريقية أخيرا، وأيضا الاتصالات الموازية لأطراف دولية فاعلة ومعنية بالملف، منها مخاطبة الولايات المتحدة الكونغو التي تشغل رئاسة الاتحاد الأفريقي، واتصالات مسؤولين أوروبيين بأديس أبابا. وتأتي هذه التحرّكات استجابة غير رسمية للأزمة بعد اجتماع 8 يوليو/ تموز الحالي في مجلس الأمن (لم يعلن قراره بعد). كما أنها اختبار جديد، وربما نهائي، للطريق الدبلوماسي ومدى إمكانية وصوله إلى محطة اتفاق عادل يقطع الطريق على توترات بمنطقة القرن الأفريقي، خصوصا مع استكمال إنشاءات السد الذي أنجزت 80% منه، وستبدأ الملء الثالث مع موسم الأمطار المقبل، صيف 2022. وطبقا لحسابات خبراء مصريين، وتصريحات وزير الري السوداني، ياسر عباس، لم يُحقَّق الملء الثاني بالكامل، والذي أعلن انتهاؤه (19 يوليو) المستهدف منه (13 مليار متر مكعب)، حيث تتراوح حصيلة الملأين الأول والثاني ما بين 7 - 8 مليارات متر مكعب من المياه، لكن ذلك، ومع أهمية الحسابات الكمية وتأثيرها، وما يترتب عليها من سيناريوهات قريبة المدى، لا يلغي حدوث الملء، ولا ينفي مضي إثيوبيا في خطواتها الجزئية، لتحقيق هدفها العام. وفي النهاية، تحول سلوكها المتراكم إلى ظاهرة سياسية، عنوانها الأساسي فرض الأمر الواقع على دولتي المصب، في ظل معادلات صعبة ومعقدة للدولتين.

قدّم رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، تبريراتٍ لانتهاء الملء مبكّرا، تعزّز مكانته داخليا، وأرجع عدم تعلية حائط السد إلى 595 متراً لظروف أمنية، نتيجة الصراع في إقليم التيغراي، وصعوبة وصول مستلزمات البناء للسد. وبالتوازي، وظف ذلك خارجيا في تقديم رسائل تعد مناورةً سياسية، تحاول إثبات أن عملية الملء والتشغيل لن تضرّ مصر والسودان، سواء في ما يتعلق بالحصص المائية أو أمان السد. ويدور خطابه في إطار إحراز أهداف دعائية ودبلوماسية، وتصوير مصر والسودان مضلّلتين، وتعلنان مخاوف غير حقيقية. وعلي جانب آخر، وفي ظل تجاذب إعلامي بين دولتي المصبّ وإثيوبيا، تم إعادة تدوير إخفاق إثيوبيا ومحدودية وقت وحصيلة الملء الثاني، وبقاء حائط السد عند 574 متراً بوصفه نجاحا لدولتي المصب، وأن إعلان اكتمال الملء أكاذيب يخفيها قادة إثيوبيا عن مواطنيها.

قدّم أبي أحمد تبريراتٍ لانتهاء الملء مبكّراً، تعزّز مكانته داخلياً، وأرجع عدم تعلية حائط السد إلى 595 متراً لظروف أمنية

يلاحظ أن الخطاب الرسمي لإثيوبيا يحمل نوعين من الرسائل. غالبا يوجه النوع الأول إلى الخارج، ويستهدف الأطراف الدولية الفاعلة في الأزمة، ومنهم أعضاء مجلس الأمن، وغرضه إقناعها برغبة أديس أبابا واستعدادها للتفاوض، واستجابتها عمليا لمخاوف دولتي المصبّ في ما يتعلق بحقوقهم المائية، وبيان أن الملء الثاني لم يؤثّر على الدولتين، دليلا على نيتها عدم إلحاق الضرر بدولتي المصبّ، غير إظهار مرونتها خلال الملء الثاني. وتعد خطابات أبي أحمد نموذجا على ذلك، ومنها رسالة نشرها أخيرا باللغة العربية (على تويتر ونشرتها وكالة الأنباء الرسمية)، خاطب فيها، بشكل أساسي، الشعبين، المصري والسوداني، معلنا أن الملء لم يؤدٍّ إلى ضررٍ لأيّ من البلدين. بينما وجهت رسائل إلى الداخل متزامنةً مع الملء الثاني، تهدف إلى الشحن القومي، وتأكيد مضى إثيوبيا إلى الأمام في مشروع السد، بوصفه معركة تواجه قوى تريد تركيع الشعب. من تلك الرسائل تهنئة وزير الخارجية الاثيوبي ونائب رئيس الوزراء، والتي حملت قدرا من الشعبوية والشحن العاطفي، جاء فيها أن بناء السد يمثل استجابة لاحتياجات التنمية التي تعزّزها المشاركة الفعالة ودعم الشعب، والعمل معأ لهزيمة القوى التي تحاول جعل بلادنا عرضةً للقوى الأجنبية ومؤامراتها، وقال "باستطاعتكم تحقيق الأهداف من دون الركوع لأي ضغوط إذا كنتم متحدين". وهنا يتضح التوظيف السياسي للمشروع عنوانا للوحدة في بلد تتسع فيه فرص تجدّد الصراعات العرقية، كما يوظف السد من أجل التحلق حول سلطة أبي أحمد، والتي تعرّضت لاحتجاجات على مدى عامين، وصراع عسكري محتدم منذ ثمانية أشهر في إقليم تيغراي، أسر خلاله ما يزيد عن خمسة آلاف من الجيش الإثيوبي، غير ما خلفه من أوضاع إنسانية غاية في الصعوبة، رصدت ملامحها هيئات في الأمم المتحدة، منها مجاعة تطاول 400 ألف، وما يقارب 1,8 مليون على عتبة الجوع، مرشحين للزيادة مع تعثر وصول المساعدات الإنسانية، واستمرار الحرب، وما تخلفه من نازحين هرب بعضهم إلى السودان المأزوم أساسا. بينما ترى إثيوبيا ودول أفريقية (منها كينيا والنيجر) أن المأساة شأن إثيوبي، ويرفض سفيرها في الأمم المتحدة، سيلاسي آمدي، مناقشتها في مجلس الأمن، لأنها شأن داخلي، بينما تقاتل قوات إريترية بجانب الجيش ضد جبهة تيغراي. كما يستخدم الصراع العسكري في إقليم التيغراي موضوع تنافس سياسى على الساحة الدولية، يمثل الطرف الأول روسيا والصين في مواجهة بريطانيا وأميركا، يتمسّك الطرف الأول بحل الصراع في البيت الأفريقي، كما وجهة نظره في سد النهضة، والذي يوظفه نظام أبي أحمد في صراعاته داخليا.

حملت مظاهرة احتفالية بالملء الثاني شهدتها العاصمة أديس أبابا لافتاتٍ تندّد بالإرهاب، وتدعم قوات الجيش وترفض الضغط الدولي في ملف سد النهضة

وفي السياق، وحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، اعتبر رئيس أركان الجيش الجنرال بيرهانو الملء الثاني للسد انتصاراً فريداً، بينما حملت مظاهرة احتفالية بالملء الثاني شهدتها العاصمة أديس أبابا (22 يوليو) لافتاتٍ تندّد بالإرهاب، وتدعم قوات الجيش وترفض الضغط الدولي في ملف سد النهضة، بينما تلمح تصريحات قائد قوات الدفاع الجوي إلى أن إثيوبيا تستعد للحرب على كل الجبهات، وستحارب الخونة الذين يتعاونون مع قوى أجنبية!

إجمالا، سعت إثيوبيا، من خلال الملء الثاني، وما تلاه من أنشطة وخطاب دبلوماسي، وشحن وتعبئة سياسية داخلية، إلى استكمال مناورتها لدحض موقف دولتي المصب وتفنيده، ونفي مخاوفهم من تأثير الملء والتشغيل، وترويج الأطراف المؤثرة دوليا أن مخاوف مصر والسودان محض تضليل، وتجربتا الملء الأول والثاني تنفيها. وقد تم تنفيذ هذا التكتيك استعدادا لمفاوضات مرتقبة، سيدعو لها الاتحاد الأفريقي، باعتبارها أحد مخرجات حوار بين الفاعلين على الساحة الدولية، تجنّبا لتصعيد الأزمة. وهذه المناورة لا تخفي قلق أديس أبابا من تبعات سلوكها المراوغ، والذي تضع فيه القاهرة والخرطوم في أزمة اختيار صعب، وتريد أن يظل البلدان في انتظار أن تستجيبا، وتظهرا مرونة في عملية تفاوضية لم تأت بثمارها خلال عشر سنوات مضت.