سد النهضة .. خلل في موازين القوة

18 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

يكشف انفضاض جولات تفاوض سد النهضة، من دون التوصل إلى حلول، عن حواجز تمنع الوصول إلى اتفاق عادل. ولا يرتبط الأمر هنا، كما تردّد دعاوى إثيوبية مكرّرة، برغبة مصرية في الهيمنة، والاتكاء على اتفاقات استعمارية، أو مخاوف سودانية لا مبرّر لها، وإنما يتعلق فشل المفاوضات بثلاثة عوامل أساسية، أطراف التفاوض، وطبيعة أطراف الوساطة، واختلال موازين القوى بين دولتي المصبّ وإثيوبيا، والأخيرة تستند في موقفها الحادّ، وربما المتعالي، إلى مصالح أطراف وقوى دولية، يشتبك فيها السياسي والاقتصادي، غير قوى دولية تجاهلت الأزمة، ولم تعد تتدخل في الشأن الأفريقي في وجود وكلاء لها، ولن تتدخل إلا إذا استشعرت أن المشكلة ستؤثر على مصالحها، وهو ما بدا مع إعلان مصر والسودان طرح جميع الخيارات للدفاع عن حقوقهما المائية ومواجهة مخاطر السد، عبر خطواتٍ دفاعيةٍ لدرء المخاطر.

ومن أخطاء التفاوض، وأسباب ضعف الجبهة المصرية السودانية، تأخّر التنسيق المشترك، والاتكاء على اطمئنانٍ زائف، وصبرٍ مبالغٍ فيه، وحسن نياتٍ لا شواهد عليها، والمجاهدة للوصول إلى حل في واقع يتصف باختلال موازين القوى، غير مشكلات أطراف الوساطة (الاتحاد الأفريقي). لذا لم يكن ممكناً أن تحقق الدولتان اختراقاً لسد التعنت الأثيوبي، وصلابة مواقفها المستندة إلى المصالح التي خلف السد، والتي تُجمع أطراف عديدة، ممزوجة بمصالح سياسية واقتصادية، كما يمثل السد بالنسبة لأثيوبيا، طرف التفاوض المقابل، أداة توظيفٍ سياسي داخلي، يتجاوز الهدف المعلن له، إنتاج الكهرباء، ويشكّل، كما تكرّر أديس أبابا، رمزاً لوحدة الشعب الإثيوبي، فضلاً عن طموحات إثيوبية وتعبئة سياسية لقيادة القارّة الأفريقية، والتنافس واحتلال مساحة تأثير دولية، وتقوية علاقتها بقوى خارج محيطها الأفريقي الذي تنافس عليه الآخرون، وليس أدلّ على ذلك من إصرارها على إقامة سد هو الأضخم عالمياً، وإن تحتجز كمية هائلة من المياه (تتجاوز 70 ملياراً)، على الرغم من أن نصف الكمية، وحسب تقارير فنية، يمكنها تحقيق هدف إنتاج الكهرباء وتوزيعها لدول مجاورة، غير إصرارها على تقليص فترة الملء إلى أقل فترة، وما يترتب عليه من ضررٍ جسيمٍ لدولتي المصبّ، فيما يتعلق بحصة المياه.

من أخطاء التفاوض، وأسباب ضعف الجبهة المصرية السودانية، تأخّر التنسيق المشترك، والاتكاء على اطمئنانٍ زائف، وصبرٍ مبالغٍ فيه، وحسن نياتٍ لا شواهد عليها

ويظل لعامل اختلال توازن القوى الدور الحاسم في عدم التوصل إلى اتفاقٍ يحدّ من الأضرار. ولا استخفاف بأن للارتهان إلى الأزمات الداخلية تأثيراً ملحوظاً على مسار التفاوض، فقد شهد الموقف السوداني تذبذباً ومراهنات في غير محلها، ومصرياً ظل ملف التفاوض داخلياً يشهد شحّاً في المعلومات والبيانات، بل وميلاً إلى عدم الخوض فيه، وكأنه شأن أمني وقضية تخصّ السلطة وحدها، ما أثر في القوة الذاتية المرتبطة بالمشاركة والتعبئة السياسية المساندة للمفاوض، واقتصرت فترة طويلة على دوائر النخب.

لذا، لا بدّ من أن تتركزّ كل الجهود على تعديل موازين القوى، والإصرار على إظهار همّةٍ لا تنكسر، وإبراز كل أوراق القوة لدعم الحقوق العادلة لمصر والسودان، مع رفض أي تنازلاتٍ أو صفقاتٍ مشبوهة تحاول ترسيخ الوضع القائم وفرضه على دولتي المصبّ. وبغير تعديل موازين القوة، لا يمكن التوصل إلى اتفاق عادل، يقلل نسبياً من تجدّد مشكلات تتعلق بالملء والتشغيل مستقبلاً، وعلى دولتي المصبّ الاستمرار في التنسيق، وإبداء إمكانية استخدام القوة المستندة للحق في مواجهتها مع إثيوبيا، ومخاطبة كل الأطراف ومصارحتها بذلك، لأن هذا الخيار هو الطريق الوحيد لحماية مستقل شعبين. ولقد أظهر الخطابان الرسميان في مصر والسودان، واللذان لوّحا بتعدّد الخيارات لفرض حل للأزمة نجاحاً، خصوصاً مع ما أحرزه التعاون الدبلوماسي والعسكري والمعلوماتي من تأثير، وما دعم ذلك من مواقف لدول تشكل مظاهر مساندة وتأييد، حتى وإن كانت متفاوتةً في درجاتها، لكنها تؤكّد ضمان عدم الإضرار بحقوق مصر والسودان، وتدعو، في مجملها، إلى اتفاق عادل، وتعاون بين الأطراف الثلاثة. وهنا وعلى الرغم من كل ما يقال عن انهيار النظام العربي، وضعف التأثير والتضامن، فإن مواقف جامعة الدول العربية، منذ فبراير/ شباط 2020، شكّلت تأثيراً مهماً، وجعلت أطرافاً عربية تفكر في مراجعة مواقفها (على الأقل تحييد بعضها)، بينما طرحت دول الوساطة، وأصدرت أخرى بياناتٍ مساندة. كما لعبت الجامعة، وخلال علاقتها ببعض دول الاتحاد الأفريقي، ودول أوروبية، دوراً فاعلاً. وقامت القاهرة بجهد ملحوظ عبر الاتصال السياسي المكثف مع رؤساء ووزراء دول وسفراء لشرح وجهة نظرها، ضمن استراتيجية التأثير الدبلوماسي وتشكيل نفوذ عبرها.

وما يجري حالياً، وقبل شهرين من عملية الملء الثانية الذي تصرّ عليه إثيوبيا، في اختراق لإعلان المبادئ الثلاثي الموقع في الخرطوم في 2015، يشابه تحرّكات دبلوماسية قبل الملء الأول (يوليو/ تموز 2020)، لكن الموقف مختلف نسبياً، بحكم أن التحرّكات الدبلوماسية باتت مؤثرة نسبياً نتيجة تراكمها (تصاعدت منذ فشل مفاوضات واشنطن)، ومدعومة بتنسيق مصري سوداني مهم ومتعدّد الأوجه، ويحمل إمكانات للتأثير الجيوسياسي يتعدّى الدولتين، طالما بقي في شكل تحالف. كما يرسل إشاراتٍ إلى إثيوبيا، لإمكانات التأثير، من خلال التعاون مع دول الجوار، والحوار مع دول القرن الأفريقي، أو عبر الدول التي لها نفوذ في المنطقة.

لا طائل في مفاوضاتٍ من دون قوة، ولا جدوى لطرح أسئلة معروفة الإجابة بشأن تعثر المفاوضات

صحيحٌ أن إثيوبيا كسبت الوقت، عبر استمرار المراوغة، ورفضت أي حضور عربي أو دولي، أو أي وساطة عربية أو دولية، وما زالت تحاجج بأن المشكلات الأفريقية لا تناقش خارج الاتحاد الأفريقي، إلا أن التنسيق المصري السوداني أقوى مما سبق، وعلى الرغم من إشكالية محدودية الوقت، وقرب موعد الملء الثاني خلال يوليو/ تموز المقبل (سيحجز 13 مليار متر مكعب من المياه). وبدأت الدولتان في نهج يحاول تجاوز خلل موازين القوى، وهو لا خيار غيره لمواجهة الصلف الإثيوبي عبر الاتجاه الدبلوماسي، وما يتضمّنه من لقاءات واتصالات، تحمل رسائل جادّة وحاسمة. والاتجاه الثاني المتمثل في التعاون العسكري والمعلوماتي بين الدولتين ودول أفريقية. والاتجاه الثالث يتمثل في رسائل وخطوات متعلقة بالمصالح الاقتصادية التي يمكن أن تتعمق أو تتضرّر بناء على نتائج مفاوضات سد النهضة.

ومن شأن الاتجاهات الثلاثة إعادة التوازن، وحلحلة جانب من الأزمة التي لن تنتهي بالتأكيد مع مجرد الاتفاق، لأن تعديل موازين القوى لا يتشكل في أشهر معدودة، ولا تشكل الاتفاقيات نتاج مفاوضات غير مستندة على قوة ردع أو توازن قوى سنداً أو ضماناً لتنفيذها، وإن كانت عملية تحقيق التوازن نتاج محدودية الوقت محدودة الأثر. وهذا لا يعنى التسليم بالأمر الواقع. وتتصف عملية بناء التحالفات ودعم القوة الذاتية، خلال الأزمات الإقليمية، بالاستمرارية والتراكم. وعشر سنوات من فشل مفاوضات سد النهضة كافية لأن تضع مصر والسودان أمام الحقائق، ومنها أنه لا طائل في مفاوضاتٍ من دون قوة، ولا جدوى لطرح أسئلة معروفة الإجابة بشأن تعثر المفاوضات، أو إجمالها بتعنت إثيوبي، يتمثل في تصرّف أحادي وتجاهل بحقوق شعبين ومستقبلهما واستخفاف بهذه الحقوق.