سد النهضة بين عرف الغابة والاتفاقيات الدولية

سد النهضة بين عرف الغابة والاتفاقيات الدولية

06 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

يُذكرُ اللغط المصري/ الإثيوبي بشأن نهر النيل، والتصريحات الدائرة على أعلى مستوى بين القاهرة وأديس أبابا، بخاصة بعد إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم في مارس/ آذار 2015، بأعراف الغابة أو المجموعات البشرية الإجرامية؛ فعلى الرغم من أننا أمام نزاع واضح دوليًا ويخضع لاتفاقيات تمتد منذ عام 1891، ووقعت بريطانيا بالنيابة عن مصر والسودان مع إيطاليا بالنيابة عن إريتريا بما يلزمها، بالامتناع عن أي "أعمال أو منشآت" تؤثر على النيل، وهو ما تكرّر مع إثيوبيا في عام 1902، ثم في 1925 و1929 بتفاصيل تؤدّي إلى الهدف نفسه، إلا أن الخلاف تفجر بصورة غير قانونية في عام 2009 برغبة ست من دول منابع النهر، إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، وبوروندي، التوقيع في عنتيبي الأوغندية على معاهدة جديدة للاستيلاء على أغلب منابع النيل، ضاربة عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية السابقة والقوانين الملزمة للدول المشتركة في مصب الأنهار الدولية ومجراها. فإذا كانت دول أفريقية، وفي مقدمتها إثيوبيا، بدأت مسيرة الاستئثار بخيرات النيل التي اعتادتها، وعاشت في ظلها، ولم يكن في ترك طرف من المياه والطمي، ليصلا إلى السودان ومصر، يمثل لها إشكالية أو أزمة، ولو جاز فرضًا هذا التصرّف بعالمٍ يعرف قانون الغابة إليه سبيلًا، ما دام أحد طرفي التنازع ضعيفًا، فإنه لا يُعقلُ أن يقرّ بالظلم الطرف الضعيف. هذا إذا سلمنا اضطرارًا بأن مصر طرفٌ ضعيف. لكن ما حدث يجعلنا نصدّق أننا أمام سيناريو غابة إجرامي من كبير مفترض، استولى على مقدّرات شعب شريف بالقوة، راغبًا في الاستحواذ على خيرات بلاده لنفسه وعصابته المقرّبة، مشاركًا في مصالح أعدائها. وهكذا فعلها عبد الفتاح السيسي بالمصريين بتوقيعه على إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة في الخرطوم بـ2015؛ إذ أقر ووافق بل "بصم" لإثيوبيا ببناء سدّ يحتجز أضعاف ما تحتاجه من المياه على حساب حصتي السودان ومصر، في إجراء لا يبعد الرئيس السوداني السابق عمر البشير عن المسؤولية نفسها، وبرغبة من السيسي في اعتراف الاتحاد الأفريقي (كانت ترأسه أديس أبابا وقتها) بشرعيته التي كان الاتحاد علّقها بعد الانقلاب.

كسب السيسي رضا الاتحاد الأفريقي واعترافه به على حساب استمرار جريان النيل في مصر

وهكذا كسب السيسي رضا الاتحاد الأفريقي واعترافه به على حساب استمرار جريان النيل في مصر التي عُرفتْ به، ونُقِشَ على جدران مقياسه بالمنيل منذ آلاف السنين: "إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل جنود الفرعون، ولا يعودون إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه"، على الرغم من أن ذلك كان يخص مجرد انخفاض منسوبه مع جريانه، فماذا عن جفافه أساسًا؟! وفي ظل المنظومة نفسها، وجدتها إثيوبيا فرصة سانحة، فأعلنت قيادتها منذ أسابيع أن النهر بالأمطار التي تهطل عليه إثيوبي، فلا قوة في العالم تمنع إنشاء السد؛ وهو المفهوم الذي لا يُعرفُ له مثيل في العالم المتحضر، فنهر الدانوب، مثلًا، يمر عبر عشر دول أوروبية، نابعًا من منطقة الغابة السوداء في ألمانيا، ولم تزعم برلين، على مدار تاريخ ألمانيا، أن لها سدّها الخاص، ولم تمنع تدفقه عبر النمسا، المجر، كرواتيا، سلوفاكيا، صربيا، رومانيا، بلغاريا، أوكرانيا، مولدوفا، وهو النهر الذي يتدفق حتى يصب في البحر الأسود بدلتا الدانوب، على الرغم من أنه ذو دور حيوي في التطور الشامل والمكانة السياسية لدول وسط أوروبا وجنوب شرقها.

تحدٍ بالغ الخطورة لم يحدث في تاريخ مصر، بخاصة بعد تراخي السيسي واستهتاره

وهو الأمر الذي يسري على أحواض الأنهار العالمية المتحضرة المشتركة العالمية التي تخضع لحكم رؤساء وزعماء حريصين على بلادهم، واستمرار مسيرتها الديمقراطية، لا رئيس مدّعٍ يتصرّف بمنطق زعيم لعصابة، فيتذبذب تارة بين التأكيد على أنه لم يضيّع شعبه المغلوب على أمره من قبل، كي يضيعه الآن؛ ثم تارّة يقول إن من حق الشعب نفسه أن يقلق على مستقبل النيل، وأخرى يعلن أنه خط أحمر لا يجوز المساس به، وثالثة يتجرّأ على الاجتماع بالمسؤولين عن تحلية مياه الصرف الصحي أو المجاري، مؤذنًا بأن المصريين سيشربون بدلًا من النيل مياه المجاري، متناسيًا اعتماد البلاد عليه بنحو نسبة 97%، وغير عابئ باضمحلال الحياة التي تقوم بحوالي 95.5% من مساحة مصر المُستغلة حواليه، وغير عابئ بالمجاعة المقبلة عند جفاف التربة الزراعية، نتيجة نقص منسوب المياه فيها؛ وهو ما لن يعالجه لا الصرف الصحي ولا تبطين الترع أو غيرهما، فضلًا عن الخطر الداهم الذي يهدّد مصر، ومن قبلها السودان، بالغرق التام، إذا حدث خلل في بنية السد الإثيوبي.

إننا أمام تحدٍ بالغ الخطورة لم يحدث في تاريخ مصر، بخاصة بعد تراخي السيسي واستهتاره، وبدء الملء الثاني للسد منذ الـ5 من الشهر الماضي (مايو/ أيار) مبكرًا، ثم تدخل أميركا وإعلانها عدم ترحيبها بالحل العسكري، ليجدها السيسي فرصةً لاستمرار السير في ترّهاته، ثم تجرّؤ رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في بداية يونيو/ حزيران الحالي، وإعلان أن بلاده ستبني مائة سد خلال عام، فهل تفيق أجهزة الدولة المصرية، وتتحالف مع الشعب، في أخذ إجراء ناجع ضد السد، وهل نحلم بأن يتراجع السيسي، ويحفظ ماء وجهه، فيتصرّف تصرفًا يضعه في مصاف الحريصين على بلادهم؟