سجال مع صقر أبو فخر .. أوهام ووقائع منقوصة ومشوهة

19 فبراير 2021
الصورة

تبادل الليرة اللبنانية والدولار الأميركي في السوق السوداء في بيروت (18/6/2020/فرانس برس)

+ الخط -

طرح الكاتب صقر أبو فخر في مقالته في "العربي الجديد"، بعنوان "أوهام لبنانية تبدّدها الوقائع .." مجموعة من القضايا والشؤون اللبنانية والإقليمية والفكرية المثيرة للجدل والنقاش، وهي المهمة التي تعمل المقالة الحالية على التصدّي لجزء يسير منها، انطلاقا من تقبل أبو فخر النقد والحوار، وبهدف توضيح حقائق جافتها مقالته، من أجل إطلاع المتابع على صورة الوضع الاقتصادي في سورية ولبنان بدقة علمية. مع الإشارة إلى تجنب نقاش بعض الحيثيات التي تضمنتها المقالة، بهدف حصر موضوع النقاش بالجزئيات الاقتصادية والسياسات اللبنانية والسورية الرسمية منها والمقرّبة من دوائر صنع القرار في كل منهما. كما آمل من أصحاب الاختصاص الدولي معالجة جزئية ترسيم الحدود السورية – اللبنانية، البرّية والبحرية، بمهنية وعلمية كاملة، بعيدا عن خطاب التهويل والاستخفاف الخطابي الذي يملأ الساحات الإعلامية من كثيرين يدّعون امتلاك الحقيقة الكاملة من كلا الطرفين.

الثقة بالصحافة والإعلام

يوضح صقر أبو فخر، في مقدمة مقالته المذكورة، أمثلة على انحرافات صحافية وإعلامية عربية، ضلت طريق الصواب، واستسهلت عمل "الشو الإعلامي"، بغرض الكسب السريع قصير النظر، وهي إشارة مهمة يُحسب للكاتب نقدها بكل وضوح وصراحة، نظرا إلى دورها التخريبي تجاه وعي المجتمع أولاً، وتجاه دور الإعلامي المجتمعي والنهضوي ثانيا. حيث أتفق مع هذه الفكرة بشكل كلي ومطلق، مع تحفظي على الأمثلة التي ساقها لاحقا، بل ونقدي الشديد لها، انطلاقا من معطيين: يتمثل الأول في استسهال التعامل مع المعطيات الاقتصادية الرقمية، ليبني على بعض الأرقام غير المعنية بالموضوع أخطاء ومسلّمات سياسية واقتصادية. المعطى الثاني تجاهل الظرف السياسي والاقتصادي والسياسات الاقتصادية، ودوره في خدمة أهداف الأنظمة السياسية، وذلك في متن معالجته الأمثلة التي طرحها في مقالته. حيث تنطلق المقالة الراهنة من تبيان تأثير هذين المعطيين على معالجة الأمثلة الواردة في مقالة أبو فخر وتحليلها.

نقصان هائل في المعطيات الموثوقة حول شؤون الدولة والمجتمع

قبل البدء في هذه المعالجة النقدية، أود الإشارة إلى اختلافي مع أحد عناوين المقالة الفرعية، وبالتحديد مع عنوان "الكلام الناقص كذب خالص"، فهناك فرق كبير بين تعمّد التضليل في الكلام أو انتقاصه من ناحية، وبين شحة المعلومات حول المعلومات لأسباب خارجة عن إرادة المتكلم، فرداً كان أو جهة اعتبارية. فكما نعلم ويعلم صقر أبو فخر تحكم منطقتنا العربية أنظمةٌ غير نزيهة، تحجب المعلومات والأرقام الدقيقة عن الجمهور والمعنيين بالشأن العام. الأمر الذي يتسبب في نقصان هائل في المعطيات الموثوقة حول شؤون الدولة والمجتمع، ما يفرض على معنيين عديدين في نقاش القضايا العامة، سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية وتعلمية، تفعيل سبل البحث والاستنتاج أو الاستقراء المنطقية قياسيا، المستندة إلى مجموعة من المعطيات غير الموثقة رسميا، والتي تحاكي مجموعة من المعطيات الإقليمية والدولية. وهو ما يتسبب بتوسيع هامش الخطأ التحليلي، بفعل عوامل سلطوية، لا قدرة لنا على تغييرها الآن. لذا كان من الأفضل لو ميز العنوان الفرعي والنص الذي تبعه بين كلتا الحالتين، تقديرا لجهود الناشطين والباحثين في شؤون منطقتنا العربية الحثيثة والجبارة، التي يبذلونها من أجل مقاربة الحقيقة والحقائق، على الرغم من مقاومة السلطات لهم وتعمدها إفشالهم.

(١): تهريب المحروقات

تمر كل من دولتي سورية ولبنان في ظرف استثنائي، وإن طال زمنيا، يفرض على المعنيين في نقاش قضاياهما التعامل مع تناقضاتٍ عديدة وصعوبات فجّة، من قبيل قيمة العملة الرسمية وغير الرسمية. وبالتالي القدرة الشرائية، وتسعير السلع نظريا وعمليا. وهو الخلل الأول الذي وقعت فيه مقالة صقر أبو فخر، لذا وبغرض توضيح الأمور، أحاول توضيح الأرقام ودلالاتها، مع العلم أن هناك في سورية ثلاثة أنواع من البنزين، المدعوم، غير المدعوم، وأوكتان 95 الذي نجده كذلك في السوق اللبنانية، لذا سوف نركز على هذا النوع تحديدا، وهو النوع نفسه الذي استخدمته مقالة أبو فخر معيارا: ففي سورية كان سعر صرف الدولار الرسمي 1250 وسعر صرف الدولار الفعلي 3010 وفي لبنان كان سعر صرف الدولار الرسمي 1511 والفعلي 8830. وفي سورية أيضا، إن سعر ليتر البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 1300 وسعر غالون البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 3990 وسعر صفيحة البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 26000. وفي لبنان سعر ليتر البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 1405 وسعر غالون البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 5339 وسعر صفيحة البنزين أوكتان 95 الرسمي بالليرة 28100.

علما أنه تم في مقالة صقر أبو فخر عرض الأسعار وفق التسعيرة الرسمية المعلنة في 20/10/2020، في حين تعرض الأرقام أحدث تسعيرة رسمية، والتي أعلنت في 20/1/2021، مع العلم أن الفرق بين التسعيرتين قليل نسبيا، ولا يشكل فارقا يذكر. لذا كان من الأفضل عرض التسعيرة الحالية لاطلاع المتابعين على أحدث البيانات.

ففي سورية سعر ليتر البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 1,04 وسعر ليتر البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 0,431 وسعر غالون البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 3.952 وسعر غالون البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 1.637 سعر صفيحة البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 20.8 وسعر صفيحة البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 8.62. وأما في لبنان، فسعر ليتر البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 0.92 وسعر ليتر البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 0.159 وسعر غالون البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 3.496 وسعر غالون البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 0.604 سعر صفيحة البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الرسمي 18.4 وسعر صفيحة البنزين 95 الرسمي مقابل الدولار الفعلي 3.18. علما أنه وفق التسعيرة القديمة المعتمدة في مقالة أبو فخر، يصبح سعر ليتر البنزين أوكتان 95 الرسمي بالدولار 0.84$، والفعلي 0.348$.

استسهل صقر أبو فخر التعامل مع المعطيات الاقتصادية الرقمية، ليبني على بعض الأرقام غير المعنية بالموضوع أخطاء ومسلّمات سياسية واقتصادية

يبدو من الأرقام أن هناك تباينا كبيرا في أسعار البنزين وفق تسعيرة الدولار الرسمية وغير الرسمية، وهو ما يدفع إلى محاولة تحديد أي من القيمتين يجب القياس عليها، وما هي أهمية القيمة الأخرى في حسابات الربح والخسارة من تهريب السلع بين لبنان وسورية أو العكس؛ على فرض وجود عكس في هذه المرحلة. حيث أعتقد أن الإجابة هنا في غاية السهولة، إن أخذنا بالاعتبار أن السعر الفعلي هو الذي يعكس قيمة السلع الحقيقية عند الاستيراد والتداول، فهو القيمة التداولية الخارجية المعمول بها حول العالم، بما فيها الدول الصديقة، فمثلا لو قبلت روسيا أو إيران توريد بعض السلع إلى سورية في مقابل الحصول على قيمتها بالعملة المحلية السورية، عندها لا يتم الحساب على قيمة العملة المصرّح بها رسميا، وفق لوائح البنك المركزي السوري، وإنما وفق قيمة العملة الفعلية المعمول بها داخل سورية وخارجها. أما قيمة العملة الرسمية فهي شكل من أنواع تشجيع الاستيراد وتسهيله بعض السلع وكميات محدّدة منها، عبر التزام الدولة؛ نظريا فقط؛ بتأمين دولارات للتاجر المحلي المستورد وفق القيمة التي تعلن عنها كاملة أو قسم منها. وعليه، يمكن للتاجر شراء دولارات الاستيراد من الدولة بالقيمة المعترف بها رسميا، وهو ما يعني تكفل الدولة بدفع فرق القيمة مساهمة منها في تشجيع استيراد هذه السلع.

غير أن تشجيع الاستيراد لا يعني ضبط سعر السوق وفقا لقيمة الليرة الرسمية، لعدة أسباب، أهمها عدم التزام الدولة بتأمين كل احتياجات المواطنين من هذه السلع على مدار العام، أي تعمل الدولة السورية تحديدا على دعم بعض تجار الاستيراد، وفي بعض السلع الأساسية فقط، وفق كميات محدّدة أثبتت التجربة العملية في السنوات العشر الماضية قصورها عن تلبية احتياجات المجتمع المحلي، على الرغم من تقلص حجم الكتلة البشرية الخاضعة لسيطرة النظام السوري في هذه السنوات. وهو ما يؤدّي إلى قصور سلعي في الأسواق، يعزّز من الاستيراد غير المدعوم بشقيه، النظامي والمهرب، ما يحرّر الأسعار ويخضعها بشكل مباشر لسعر تصريف العملة الفعلي، لا الرسمي، ولجميع السلع المطروحة في الأسواق، بما فيها الكميات المستوردة بدعم من الدولة ذاتها. وبالتالي، يفقد الدعم جزءا كبيرا من أهميته ودوره. الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على ثروات تجار الاستيراد المدعومين من الدولة وأرباحهم، وهم الذين يستوردون السلع وفق التسعيرة الرسمية، ويطرحونها في الأسواق وفق أسعار السوق الرائجة أو الفعلية، ليتضاعف الربح كلما زادت الهوة بين قيمتي الليرة الفعلية والرسمية.

وعليه، سعر ليتر البنزين في السوق السورية بعيداً عن الكميات الشحيحة التي تلتزم الدولة بتوزيعها على المواطنين؛ وبغض النظر الآن عن عجزها في تأمينها؛ هو 0.431$، بينما نجده في لبنان بقيمة 0.159$ فقط. وهو فرق كبير جدا، ومشجّع أيضا على تهريب البنزين من لبنان إلى سورية، حيث يحقق المهرّب ربحا ضخما مهما كانت تكلفة الشحن، وقد يتضاعف الربح عدة مرات في حالات التجار المحسوبين على المنظومة المسيطرة في لبنان، القادرين على شراء الدولار داخل لبنان وفق القيمة الرسمية، لا الفعلية، لتصبح تجارة رابحة ألفا بالمئة، وربما مليون بالمئة. كما يتضاعف عندما نعلم أن سعر مبيع السوق السوداء يصل إلى حدود ضعف سعره الرسمي، وهي الأسواق التي يهرّب لها من لبنان.

تحكم منطقتنا العربية أنظمةٌ غير نزيهة، تحجب المعلومات والأرقام الدقيقة عن الجمهور والمعنيين بالشأن العام

وهناك بعد آخر لا يمكن قياسه وفق الأرقام السابقة، أو حتى وفق أي معطيات اقتصادية رقمية، يتمثل في الظرف السوري ونهج النظام في هذه المرحلة تحديدا، فمن ناحية أولى لا يولي النظام أي اهتمام من أجل تلبية حاجات السوريين داخل مناطق سيطرته، وهو ما ظهرت نتائجه منذ الأشهر الأولى للثورة، التي شهدت شحّا رهيبا في السلع، ونقصا كبيرا في حركة الاستيراد. كما يسعى النظام إلى تمتين علاقته مع تجار الأزمة أو الحرب، المحسوبين عليه والداعمين له عسكريا وماليا وسياسيا، وذلك عبر حصر دعم الدولة الاستيراد لهم فقط، بغرض زيادة أرباحهم المباشرة وغير المباشرة، من السلع المستوردة ومن فرق تصريف العملة أيضا. وأخيرا، لا بد من الأخذ بالاعتبار تأثيرات قانون قيصر على قدرات النظام الاستيرادية، والتي حذّر بعضهم من تأثيرها على أوضاع المدنيين داخل سورية، حيث قلل؛ ربما حصرها بعدد محدود جدا من الدول، لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة؛ القانون من عدد الدول المستعدة لتوريد سورية ببعض احتياجاتها، فضلا عن تعقد سبل التوريد، بطرق نظاميةٍ، لكنها التفافية تتهرّب من السطوة الأميركية. الأمر الذي ساهم في زيادة أزمة شحّ السلع الأساسية في الأسواق السورية. وبالتالي، زاد من حجم السلع المهرّبة. كما لا بد من أخذ قدرات الدول الموردة الحالية، وإمكاناتها وظروفها، في ظل أزمة كورونا وتبعاتها الاقتصادية، ونتيجة تنامي العقوبات الاقتصادية على بعض الدول والأطراف كإيران مثلا.

(2): تهريب القمح

وفق المنهجية نفسها التي استخدمت لمعرفة مدى واقعية تهريب البنزين من لبنان إلى سورية، يمكن إعادتها بما يخصّ القمح. وقبل عرض ذلك، لا بد من توضيح نقاط رئيسية مرتبطة بالموضوع. أولها توضيح مسؤولية النظام السوري شبه الوحيدة عن انهيار مجمل الدولة والمجتمع والإنتاج السوري، وخصوصا الزراعي، وبالتحديد في مجال زراعة القمح، في مقابل ثانوية مسؤولية سائر القوى التي تحتل أو تسيطر على جزء من الأراضي السورية، نتيجة عاملين: الأول أنها نتاج مباشر لمنهجية النظام الأمنية، التي فتحت باب التلاعب بالثروات والإمكانات والأرض السورية. الثاني ضرورة التزام الباحثين والكتّاب بالقاعدة التي طالبهم بها صقر أبو فخر، من خلال عدم بث الشائعات والأخبار الملفقة وغير الموثوقة، ومنها تبرئة النظام السوري، وربما الإيراني، من جريمة حرق المحاصيل، وإلصاقها بقوى احتلال داخل وخارجي أخرى، فهذا شأن يتطلب التحقيق به ومراجعته بدقة، ولا يعكس سبب أزمة القمح في سورية الأساسية، المتمثل في النظام المسيطر، كونه المسؤول المباشر عن الانخفاض المؤلم في كمية الإنتاج السوري من هذه المادة المهمة، ومن سائر السلع والمواد، زراعية أم نفطية أم صناعية. لذا أنصح المهتمين، ومنهم صقر أبو فخر، بمراجعة تقرير اقتصادي مدعّم بالأرقام منشور في "العربي الجديد"، تحت عنوان" أدنى إنتاج زراعي للجزيرة السورية منذ 1989" كتبه سلام حسن.

توضح فقرة صغيرة من هذا التقرير مدى تأثر الإنتاج الزراعي، والقمحي خصوصا، بنهج نظام الأسد، وما هي أهم العوامل التي أدت لذلك، ".. ويعود التراجع في الإنتاج إلى أسباب كثيرة، منها إلغاء الدعم المقدم للفلاحين والمتمثل في تقديم البذار والأدوية، وتغير خريطة السيطرة العسكرية في المنطقة على مدار السنوات التسع الماضية. ووفق أرقام وزارتي الزراعة والتجارة في حكومة النظام السوري، فإن الإنتاج تراجع بشكل مضطرد، إذ توضح أن إنتاج سورية من القمح بلغ 3 ملايين و900 ألف طن قبل الثورة، ليتراجع الرقم عام 2012 إلى مليون و600 ألف طن، بينما بلغ قرابة 425 ألف طن في عام 2015، و420 ألف طن في عام 2016". إذا هناك عوامل عسكرية فرضها نظام الأسد، وأخرى تتعلق بنهج النظام الاقتصادي، أو بالأصح بنهج إهمال الشؤون الاقتصادية والزراعية، أو تطويعها لصالح معركته للحفاظ على كرسي السلطة والحكم. بل يمكن، في موضع آخر، أن نبين مدى تأثير منهجية وخطط النظام الاقتصادية على شؤون الناس والإنتاج السوري في السنوات السابقة للثورة، وعن دوره في تسريع الانفجار الثوري، مثل رفع مختلف أشكال الدعم الإنتاجي الزراعي والصناعي بخطى حثيثة ومتسارعة عاما بعد آخر.

نقاش مسألة تهريب الدولار يصعب تفنيدها بالأرقام والإحصائيات، وتخضع لمنطق تحليل الوضع الاقتصادي والسياسي العام

وللتأكيد على مدى ضخامة أزمة القمح في سورية، لا بد من مراجعة بعض تصريحات المسؤولين السوريين، أو بالأصح الأسديين، مثل قول وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية، سامر الخليل، في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 "سورية بحاجة إلى استيراد ما بين 180 و200 ألف طن من القمح شهرياً". وتصريح وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، طلال البرازي، في الشهر نفسه "تم شراء نحو 700 ألف طن قمح من الفلاحين للموسم الحالي، علما أنه كان من المخطط استجرار 2.9 مليون طن، ولكن لم يتم ذلك، نظرا للعقوبات والعثرات". ونعلم أن أهم مناطق إنتاج القمح تقع في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما نعلم طبيعة القمح السوري القاسي الذي لا يناسب صناعة الخبز، ما يتطلب استيراد قمح طري لخلطه مع القمح السوري القاسي.

وبالتالي، من الواضح وجود أزمة ناتجة عن عجز النظام في تأمين حاجات السوق السورية من مادة القمح، والتي يعود سببها، مرة أخرى، إلى سياسات النظام الأمنية الهادفة للحفاظ على كرسي الحكم على حساب مصالح الشعب والأرض السورية. وبغض النظر عن حاجة سورية هذه السلعة، علينا التوسع أكثر في التفاصيل، لمعرفة مدى نجاعة استجرار القمح، أو الخبز الجاهز، من لبنان بطريقة غير شرعية اقتصاديا. وهو ما توضحه الأرقام التالية: ففي سورية يبلغ سعر كيلوغرام واحد من الخبز المدعوم الرسمي 100 وسعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي الرسمي 1300 وسعر كيلوغرام واحد من الخبز المدعوم بالدولار الرسمي 0.08 و سعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي بالدولار الرسمي 1.04 سعر كيلوغرام واحد من الخبز المدعوم بالدولار الفعلي 0.03 سعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي بالدولار الفعلي 0.43. وفي لبنان يبلغ سعر كيلو غرام واحد من الخبز المدعوم الرسمي 2500 وسعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي الرسمي 2500 وسعر كيلوغرام واحد من الخبز المدعوم بالدولار الرسمي 1.78 وسعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي بالدولار الرسمي 1.78 سعر كيلوغرام واحد من الخبز المدعوم بالدولار الفعلي 0.28 سعر كيلوغرام واحد من الخبز السياحي بالدولار الفعلي 0.28، علما أن الدولة اللبنانية تسعر ربطة الخبز ب 2250 ليرة لبنانية لوزن 900غ، بينما تعرض الأرقام سعر الكيلوغرام الواحد استنادا لذلك.

لا تبحث المنظومة الطائفية المسيطرة في لبنان عن حلول وطنية تنقذ المواطن والوطن من تبعات وحيثيات أزمة اقتصادية ومعاشية ضخمة ومرعبة

مرة أخرى، يبدو أن صقر أبو فخر قد انطلق من مقارنة قيمة سلعة الخبز وفق الأرقام الرسمية السورية واللبنانية فقط، وهو ما يناقض قيمة العملة الحقيقية المتداولة بين الناس، والتي يستفيد منها التجار، كما يهمل سعر السوق السوداء التي تتضاعف بها الأسعار حسب شدّة الأزمة، حيث وصل سعر ربطة الخبز السوري المدعوم إلى ما يقارب سعر ربطة الخبز السياحي، بحدود 900 و1000 ليرة سورية. لكن وبغض النظر عن سعر السوق السوداء الآن، لا بد من التأكيد على الهفوة الأهم التي أهملها أبو فخر، وهي نوع الخبز، فالخبز السوري المدعوم سلعة مختلفة تماما عن نظيره المصنّع لبنانيا، في حين يمكن مقارنة الخبز السياحي السوري بنظيره اللبناني نسبيا، على الرغم من اختلاف المكونات، وبالتالي السعر وفق أسعار الخبز في سورية قبل الثورة، إذ كان هناك مخبزان ضخمان في سورية ينتجان خبزاً من مكونات الخبز اللبناني نفسها، هما تفاحة وشمسين، وكان سعر الربطة منهما أعلى قيمة من سعر الخبز السياحي. وعليه، نجد أن سعر الخبز السياحي السوري يزيد عن نظيره اللبناني بنسبة تقارب من 65% لكل كيلوغرام واحد من الخبز، وهو ما يمنح المهرّب هامش ربح جيد نسبيا، سيما بعد الأخذ بالاعتبار أن الخبز سلعة مستهلكة يوميا، وتكاد تكون الأكثر استهلاكا في سورية.

(3): تهريب الدولار:

لم يشر صقر أبو فخر، في مقالته، إلى الأسباب التي قد تدفع التجار إلى تهريب الدولار إلى سورية، مع العلم أن نقاش مسألة تهريب الدولار يصعب تفنيدها بالأرقام والإحصائيات، وتخضع لمنطق تحليل الوضع الاقتصادي والسياسي العام. لذا لا بد من بعض التمعّن في هذا الشق تحديدا. حيث تمر سورية بمرحلة اقتصادية سيئة جداً، لا مانع من وصفها بالكارثية، فقد تراجع الإنتاج السوري بشقيه، الصناعي والزراعي، حتى كاد يتوقف كليا، الأمر الذي حدّ من كميات البضائع السورية المصدّرة بشكل كبير جداً، وهو ما ينعكس سلبا على مخزون البنك المركزي السوري من الدولار. وهو ما أكّده رأس النظام، عندما نسب أزمة الليرة إلى تحرير الأراضي السورية، وافتقاد الدولة العملة الصعبة التي بحوزة الإرهابيين؛ وفق تعبير بشار الأسد.

لقد أثار تصريح الأسد هذا تعليقات ساخرة كثيرة، لكنه، وبعيداً عن السخرية، تعبير واضح عن إفلاس النظام اقتصاديا، أو على الأقل عن ندرة العملة الأجنبية التي في حوزته، وهو ما يدفع كل مواطن ما زال مقيما في سورية إلى البحث عن وسيلة لاستبدال مدّخراته بعملة مستقرة أو بالذهب، خوفا من استمرار تدهور العملة وخسارتها مزيدا من قيمتها في غياب الحلول العملية من النظام، ما قد يؤدّي إلى خسارته قيمة مدّخراته الفعلية، وبالتالي إلى خسارتها بشكل كامل. قد يعتقد بعضهم أن حلفاء النظام الإقليميين والدوليين، وتحديدا الروس والإيرانيين، قادرون على مد خزينة الدولة بالعملة الصعبة، وهو ما يتناقض مع أهدافهم المصلحية من السيطرة على سورية، فهم يسعون إلى نهب ثرواتها بشتى الطرق. لذا لا يعنيهم واقعها الاقتصادي، بل على العكس يتيح انهيارها اقتصاديا وماليا مزيدا من النفوذ والسيطرة عليها، وعلى المافيا المسيطرة فيها، ويزيد من أرباحهم التجارية معها.

يخضع التهريب لميزان الربح والخسارة الاقتصادية، وهي قاعدة ناجحة في ظل الظرف السوري الراهن

من ناحية ثانية، لا تبحث المنظومة الطائفية المسيطرة في لبنان عن حلول وطنية تنقذ المواطن والوطن من تبعات وحيثيات أزمة اقتصادية ومعاشية ضخمة ومرعبة، بل على العكس يجدونها فرصةً مواتيةً لكبح الشارع اللبناني وقمعه، وبالتحديد قوى الثورة الوطنية فيه، وذريعة مناسبة لتسويق تبعية لبنان الخارجية للبنك الدولي، وأحيانا لقوى إقليمية، أبرزها إيران والسعودية، على اعتبار ذلك مخرجا وحيدا للأزمة. لذا لا يكترث النظام اللبناني بعمليات تهريب العملة أو السلع تجاه سورية، بقدر ما يكترث لهوية الأطراف والجهات المهربة، فالمطلوب حصرها ضمن الطبقة أو الشريحة المحسوبة على المنظومة المسيطرة، سيما طرفها الأقوى والمسيطرة كليا تقريبا على حركة المعابر والحدود حزب الله وحليفه حركة أمل. ومن ناحية ربحية خالصة، ومن وجهة نظر تجار العملة والتهريب، تتيح لهم الظروف الراهنة فرصةً سانحة لتوسيع أسواقهم، بما يتجاوز حدودها الوطنية، كي تطاول حدود الجار سورية، الأمر الذي يزيد من طلب السلع، وبالتالي يرفع من سعرها، عملة صعبة أم سلعا مادية كالمشتقات النفطية والغذائية، في مجمل مجال عمله الجديد الممتد من سورية إلى لبنان، عبر شركائهم في القسم السوري من التجار المحسوبين على النظام.

خلاصة

يخضع التهريب لميزان الربح والخسارة الاقتصادية، وهي قاعدة ناجحة في ظل الظرف السوري الراهن، كما يعلم كل سوري مقيم داخل سورية حجم السلع والمواد المهرّبة من لبنان إلى سورية، فقد انسحب النظام بصورة شبه تامة من ممارسة دوره الاجتماعي والاقتصادي، لصالح دوره الأمني والعسكري والنهبي، الأمر الذي يدفع المواطن السوري ثمنه المباشر، واللبناني ثمنه غير المباشر، سيما في ظل استمرار سيطرة المنظومة الطائفية الحاكمة على جميع مفاصل الدولة القضائية والأمنية والاقتصادية، وطبعا السياسية، في لبنان، والمنسجمة مع النهج الأسدي الشمولي والربحي ذاته، فلا مكان لمصلحة لبنان وسورية في أولويات النظامين، السوري واللبناني.