سجال تدمير البرنامج النووي: لماذا؟

27 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 10:19 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى المقال:

مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، في أعقاب الضربة الأميركية لثلاث منشآت نووية إيرانية، انطلق السجال بشأن حقيقة تدمير البرنامج النووي الإيراني، بحسب ما أعلن الرئيس الأميركي أكثر من مرّة، وجاراه في ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

اندلع السجال بين الإدارة الأميركية ووكالاتها الأمنية قبل أن ينتقل إلى وسائل الإعلام، ففيما شكّكت إداراتٌ استخبارية بإعلان ترامب، عمدت وسائل إعلام إلى نفيه بشكل كامل، وهو ما دفع الرئيس الأميركي، في سابقة، إلى تكذيب استخباراته، والاستشهاد بالاستخبارات الإسرائيلية التي قال إن عملاءها زاروا المواقع المستهدفة في إيران، وخصوصاً منشأة فوردو، وتأكّدوا من تدميرها. كذلك لم يتوانَ ترامب عن مهاجمة عديدٍ من وسائل الإعلام بعباراتٍ أبعد ما تكون عن الدبلوماسية، ولم يستخدمها رئيسٌ من قبل.

في مقابل التشديديْن، الأميركي والإسرائيلي، على تدمير البرنامج النووي الإيراني، أو على الأقل إعادته سنواتٍ طويلة إلى الوراء، كان واضحاً حرص طهران على التأكيد أن برنامجها النووي لم يتضرّر، وأنها لا تزال تمتلك مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب، وأنها مستمرّة في التخصيب، رغم الغارات الإسرائيلية والأميركية على عدة مفاعلات إيرانية.

خرجت تصريحات كثيرة من مسؤولين إيرانيين لتؤكّد أن "اللعبة لم تنته بعد"، على عكس ما يعلن الأميركيون والإسرائيليون، وأن البرنامج النووي الإيراني سيُستكمل وفق الخطط التي وضعتها طهران، وأن الاغتيالات الكثيرة للعلماء النوويين الإيرانيين خلال أيام الحرب لم تعطّل المشروع الإيراني.

معطياتٌ سياسية وعسكرية كثيرة وراء الموقفين الأميركي والإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة أخرى، فالطرفان بداية لا يريدان الإقرار بأن هزيمة عسكرية أُلحقت بأي منهما، رغم الأضرار الكبيرة التي أحدثتها الضربات الإسرائيلية لإيران، وكذلك الدمار الكبير الذي أحدثته الصواريخ الإيرانية التي سقطت في المدن الإسرائيلية، والتي تعدّ غير مسبوقة في تاريخ الكيان في كل الحروب التي خاضها. ومن المفهوم تأكيد الطرفين "انتصارهما" في هذه الحرب التي لم يخرُج منها أحدٌ مهزوماً عسكرياً، غير أن الحسابات السياسية هي الأساس في المرحلة المقبلة، وفق تفسير كل طرفٍ المعطيات التي لديه.

المعطى الأميركي قائمٌ حالياً على تدمير البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعني سياسياً أن لا حاجة بعد اليوم لإعادة إطلاق المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية، إذ في نظر الولايات المتحدة اليوم لا يوجد شيء للتفاوض حوله، فالبرنامج النووي لم يعد على طاولة البحث، والطريقة الوحيدة للتعامل مع إيران في المرحلة المقبلة ستكون عبر العقوبات. وهو السلاح الذي استخدمه ترامب خلال ولايته الأولى، وكاد أن يؤدّي إلى انهيار النظام بفعل تردّي الوضع الاقتصادي. ومن المتوقع أن يستأنف الرئيس الأميركي هذه الحرب الاقتصادية وفق اعتبارات "غير نووية". ولدى ترامب تهم كثيرة جاهزة ممكن أن يلجأ إليها لفرض عقوبات جديدة على إيران، أقلها البرنامج الصاروخي وتهديد دول الجوار وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

ومؤكّد أن هذا ما تخشى منه إيران في الوقت الحالي، خصوصاً في ظل حكم الإصلاحيين. وعلى هذا الأساس، يتكرّر التأكيد أن البرنامج النووي لم يتأثر، وأن هناك حاجة للتفاوض حوله، من دون الخضوع التام للشروط الأميركية. وليس سراً أن طهران حريصة على الدخول في مسار رفع العقوبات الأميركية والدولية عنها، ومستعدة لتقديم بعض التنازلات التي لا تؤثر بشكل كامل في سيادتها، وخصوصاً في ما يتعلق بالوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وهو الشرط الذي كان يضعه ترامب، قبل إعلانه تدمير البرنامج النووي.

من المرتقب أن يدخل الملف النووي الإيراني اليوم بحالةٍ من الجمود، بانتظار تأكيد التدمير أو نفيه، وعلى أساسه سيكون رد الفعل، فإما اندلاع حربٍ جديدة، كما توقع ترامب قبل يومين، وإما العودة إلى طاولة المفاوضات وفق شروط جديدة، وهو ما سيحدد من تألم أكثر في حرب الأيام الاثني عشر.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".