ست منصّات .. أزمات الجزائر والتعلّّم

ست منصّات .. أزمات الجزائر والتعلّّم

05 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

معروف، في علم إدارة الأزمات، أنّها تتضمّن مراحل عديدة منتجة لمنظومة النّجاعة والرّشادة، أضاف إليها الأميركان، في إطار براغماتي في التّعامل مع المواقف الأزماتية، مرحلة حيوية، هي التّعلّم، أي كيفية اتّخاذ الأخطاء مقاربات للاتّعاظ والاعتبار، قصد عدم الرّجوع إليها، بل البناء عليها للقضاء على الانكشاف، تماما. انطلاقا، من هذه التّوطئة، تعود هذه المقالة إلى منصّات ستّ يمكن أن تُتبّع، وتُجسّد، واقعيا، للخروج من الانكشاف الذي، بسببه، حدثت كل أزمات الصيف.

عاشت الجزائر، مرّة أخرى، صيفا حارّا اختلطت فيها إشكالات نُدرة الماء الشروب مع ندرة الأكسجين، تلك المادّة الحيوية لعلاج مرضى كورونا، في موجتها الثّالثة، منتهية، بصورة دراماتيكية، بحرائق كبيرة اجتاحت ولايات عدّة، موقعة عديد الضحايا، منهم المغدور جمال بن سماعيل وصولا إلى القطيعة مع المغرب، وهي أحداث تستوجب، حتما، طرح النقاش بدلا من الذّهاب إلى الأمام من دون التّعلُّم من كلّ أزمة نقع فيها.

عاشت الجزائر صيفا حارّا اختلطت فيها إشكالات نُدرة الماء الشروب مع ندرة الأكسجين

قد تكون المنصّة الأولى للتّعلُّم من أسباب الانكشاف أنّ الأزمات هذه هي، تقريبا، نفسها تلك التي شهدناها، في الأعوام السّابقة، من دون أن نضع، نصب أعيننا، أنّ الأزمات، بين منطقها وحلّها، تتراوح بين المشكلة التي تقع، في وقتٍ مُحدّد، بسبب فشلٍ ما في رسم السّياسة العامة، تستوجب التّقييم ثمّ التّقويم، وهي المرحلة الأهمّ في دورة تلك الأزمة. وعلى الرغم من أنّ كل تلك المواقف الأزماتية سبق للجزائر أن عاشتها، إلاّ أنّنا لم نتعلّم منها لنحضّر الجوّ لرفع أسباب الانكشاف، وهو الدليل على قصورٍ في تحديد معالم المشكلة، ورسم سياسة عامّة لتفاديها، وعدم العودة إلى المواقف ذاتها، لإنتاجها تأسيسا على عوامل الكفاءة، الموارد الموجّهة نحو العلاج التامّ للمشكلة، مع التّدقيق في إنفاق تلك الموارد، حتى يتسنّى تجنُّب الإشكالات نفسها، والتقدّم نحو الأمام.

لعلّ الإجابة التي يمكن أن تكون المنطلق للتّعلُّم من المنصّة الأولى هي تصريح المدرّب الوطني، جمال بلماضي، عندما انتقد حالة العشب في الملعب الذي كان مبرمجا لاستقبال مباريات الفريق الوطني الجزائري، في مسار التأهل إلى كأس العالم، قطر 2022، لأن المشكلة ذاتها، وفق تصريحه، تبقى مطروحة بسبب غياب الكفاءة، المراقبة والتوجيه الجيد للموارد، مع فرض التدقيق في مقاربة صرفها. كما قد يشكّل عدم الاعتناء بالغابات مع إنذارٍ كان قد انطلق من حرائق تركيا واليونان، وصولا إلى إسبانيا، مضافاً إليها عاملا التّعلُّم من حرائق العام الماضي في المناطق نفسها، تقريبا، والتّغيُّرات المناخية التي حذّر العلماء من أنها ستتفاقم، خصوصا في المنطقة المتوسّطية.

عدم الاعتناء بالتنمية الجهوية على أساس التوازن، زاد من حدّة المشكلات التي تعاني منها الجزائر

المنصّة الثّانية يُشار، من خلالها، إلى عدم الاعتناء بالتنمية الجهوية على أساس التوازن، وذلك في إطار منظومة استثمارات اقتصادية، تكون حقيقة مرتكزة على أساسي النّجاعة والرّشادة، وهو ما لم نره بسبب انتشار الفساد والمشاريع الاقتصادية "الفنكوشية"، وفق عبارة الإخوة في أرض الكنانة عن كل ما ليس له أساس، بل هو مفتاح للسير نحو نهب المال العام. ولعل دليل ذلك مشروع الطريق السيار الذي وصلت موارده إلى أرقام فلكية، من دون أن يرافق ذلك الإنجاز الجيد وفق المعايير العالمية المعروفة عالميا.

وقد أدّى هذا العامل، غياب التنمية الجهوية، إلى انتشار البطالة، ومحاولة بعضهم الاستثمار في الأزمات المعيشية الأخرى، لتجنيد السكان في تلك المناطق، خصوصا منطقة القبائل، بجاية وتيزي وزو، أساسا، في مسار تفكير سياسي، لبعض منهم، وهم أقلّية، ولكنّها موجودة ومؤثرة، وصل إلى إنشاء فصيل ينادي بالانفصال، ويثير المشكلات في داخل الوطن وخارجه، وصلت إلى الانخراط في مخطّط لتخريب البلاد، انطلاقا من الاستثمار في إشكالات الانكشاف، خصوصا منها المتّصلة بغياب التّنمية.

تشير المنصّة الثّالثة إلى تداعيات غياب التّنمية بسبب الفساد، حيث ينتشر الحنق على السُّلطة، كونها من سهّلت ذلك، من خلال عدم التدقيق في صرف المال العام، وتغييب الكفاءة في تسيير المشاريع واستشارتها فيما يليق بالمنطقة من مشاريع التنمية، لاستيعاب الشباب، وتوجيهه نحو الاهتمام بالإشكالات المعيشية والمسارات السّياسية الإدماجية في ما يجمع بين كلّ أبناء الوطن، بعيدا عن التجنيد المتطرّف والمطالبات المقصية، بالمعنى السّياسي، ما كان له الأثر على ما شهدناه من غياب المشاركة السّياسية في المواعيد الانتخابية السّابقة، في 2020 و2021 (الرئاسيات والتّعديل الدّستوري والتشريعيات).

الثّابت والمستقرّ في وجدان الجزائريين، جميعهم، أنّ العلم الوطني لا يضاهيه، في قيمته المقدّسة، رفقة ثوابت نوفمبر، العداء لفرنسا، الشُّهداء، الحدود والنّشيد الوطني، شيء

قد يُضاف إلى ذلك، أيضا، تلك المظاهر التي جاءت عليها مقالة سابقة للكاتب في "العربي الجديد"، وهي ظاهرة الاستقلالية في التكفل بالمشكلات الاجتماعية، عن السلطة المركزية، من خلال عمليات جمع الأموال، مثلا، لإرسال المرضى إلى الخارج ومساعدة بعض الفئات في انشغالاتٍ هي من صميم عمل السُّلطات المحلية التابعة للدّولة، ومجرد التخلي عنها أو التّقصير في أدائها، يؤدّي إلى تنامي شعور القدرة على التّكفّل الذاتي وإمكانية استثمار بعضهم في تلك الإشكالات، خصوصاً بالمقصد السياسي، لرفع وتيرة الانكشاف، حتى يصل إلى توجيه المواطن إلى الاعتقاد بأنّه قد تُرك لشأنه، وبأنّ السُّلطات المركزية لا تهتمّ به.

أمّا المنصّة الرابعة فهي لإبراز أنّ السُّلطات تساهلت، تبعا لما أشير إليه أعلاه، امتصاصا للغضب وتقصيرا، أيضا، في تنامي مظاهر تغييب هيبة الدولة، من خلال، على سبيل المثال، نشر لافتات إرشادية (في مداخل المدن، القرى وعلى واجهات بعض المؤسسات الرسمية المحلية)، غيبت فيها اللُّغة العربية. وهي أمور سبق التنبيه اليها بأنها قنابل موقوتة، قد تشكل، في المستقبل، انطلاقا من ذلك الوقت، سبلا إلى محاولة فرض منطق الذّاتية، بالمعنى السياسي، بعيدا عن الهوية الثقافية التي لا يحتاج أن يناقش فيها مضافا إليها تبنّي راية، بمقصدين، أحدهما ثقافي هوياتي، وأخرى سياسية نبّهنا إلى خطورتها، مع التّوجيه، في مقالات عديدة، في "العربي الجديد"، إلى أنّ الثّابت والمستقرّ في وجدان الجزائريين، جميعهم، أنّ العلم الوطني لا يضاهيه، في قيمته المقدّسة، رفقة ثوابت نوفمبر، العداء لفرنسا، الشُّهداء، الحدود والنّشيد الوطني، شيء، مهما كانت الحجج السّياسية التي حاول بعضهم المرافعة بحقّها في أثناء الأسابيع التّاريخية للحراك، في 2019، بصفة خاصّة.

ترتكز المنصّة الخامسة على أنّ التّعلمّ لا يتمّ بدون أساسين اثنين حيويين: ثنائية التّقييم - التّقويم والتعلّم، وهما سبيلان لرفع الانكشاف، قصد الوصول إلى مستقبل مشرق للبلاد، لأن الأزمات، في تعرّيها العلمي، هي فواصل زمنية تقع فيها المشكلات، تحتاج إلى منظومة قرارية مؤسّسة على الكفاءة، العلم، النجاعة والرّشادة. ولا يمكن، تقييما لما حصـل، وتقويما للأخطاء التي وقعت، إلاّ المناداة بوجوب المسير إلى التغيير العميق الحقيقي، بتنصيب تلك العوامل أسسا تُسيّر على أساسها الدولة، من القمة إلى القاعدة مع إنشاء آلياتٍ، بصلاحيات كاملة، تقوّي عمل المؤسّسات الرقابية المنبثقة عن الانتخابات ذات المصداقية والمؤسسات التمثيلية، حقيقة لا مجازا، لتقوم بعملها الرّقابي، القبلـي والبعدي، وهو ما سيمكّن، مستقبلا، إن تم إقرار ذلك، من الوصول إلى التّغيير والتغلب على المشكلات، جميعها.

السُّلطات تساهلت، امتصاصاً للغضب وتقصيراً، أيضاً، في تنامي مظاهر تغييب هيبة الدولة

تُخصّص خاتمة المقالة للمنصّة السّادسة، للإشارة إلى أن الأزمات تتمتع بخاصية، تشبه النيران إذا لم يتم إطفاؤها جيدا، أي إمكانية اشتعالها. ولهذا ابتكر الأنكلوساكسون مرحلة التّعلُّم، وهي متاحة، لأن الأخطاء، في أثناء العمل، واردة وقوعها مع المسارعة، مع الرقابة وإتاحة فرصة الإنذار بها وتداعياتها، من خلال آلية الكفاءة. وما هو مرفوض هو الإصرار عليها أو اعتبارها من طبيعة التسيير. وربما يكون قرار السلطة برفع التجريم عن الأخطاء التّسييرية حيويا، في هذا المجال، لكنه لا يكفي، وحده، إذا لم يُرفع التّقصير والقصور، كليهما، بتنصيب الكفاءة والرقابة مرفوقة بآليات العقاب لرفع الانكشاف والاستعداد لرفع التحدّي، تحدّي العودة إلى طبيعة التسيير، بكل بساطة.

إنّها منصّات ستّ، يمكن لها أن ترفع عنا غبن العودة إلى الإشكالات نفسها. وطبعا لم تتحدّث المقالة عن مشكلتي ندرة الماء ونقص الأوكسجين، ربما لأن الأولى متعلقة بالجفاف والأخرى حتى لا نحيي أحزان مئات العائلات التي فقدت أقارب لها في ذروة الجائحة، في الشهرين الماضيين، وهي كفيلة، إن تمّ الانتباه لها وإقرار منظومة قوانين وإجراءات فاعلة، بشأنها، من التّعلّم والرُّقي إلى أفق بناء تنمية متوازنة يشارك فيها الكلّ، ويكون الكلّ فيها مهتما ومعنيا، وهو ما ننادي به ونشد على أيدي السُّلطة إلى القيام به، عاجلا لا آجلا.