ستظلّ تُسمّى فلسطين
يقول ميلان كونديرا في روايته كتاب "الضحك والنسيان" (على لسان إحدى شخصياته): "الخطوة الأولى في تصفية شعب محو ذاكرته. دمّر كتبه وثقافته وتاريخه، ثم يكتب له آخرون كتباً أخرى".
قبل عامين كنتُ أسأل: لا أذكر متى آخر مرّة سمعت أو قرأت فيها اسم فلسطين. تملأ القضية العالم، ويعرف الجميع الفلسطينيين، لكن لا أحد يتكلم عن فلسطين. هل يتم محوُها من الذاكرة؟
في زمان غير الزمان، عندما نشأتُ كنا نسمع اسم فلسطين في كل مكان. ثم جاءت انتفاضة أطفال الحجارة تهزّ العالم. في مدرستنا الابتدائية اقترحنا بحماس على معلمتنا أن نسمّي مجلة الحائط "فلسطين". ووضعنا صورة قبّة الصخرة ونحن نظنها المسجد الأقصى على أغلفة كرّاساتنا.
كان اسم فلسطين يختصر القضية كلها. الأرض والمكان الذي ينازع عليه الغريب صاحب الديار. اسمها فلسطين. والإسرائيلي يصرّ على أن لا مكان اسمه فلسطين. إنها يهوذا والسامرة سابقاً، وإسرائيل حالياً، وأرض الميعاد دائماً. لم تكن تُسمّى فلسطين. لذلك قال محمود درويش: كانت تُسمّى فلسطين. صارت تُسمّى فلسطين. وبعد اتفاق أوسلو 1993 حدث شيءٌ ما. تغيير طفيف حدث. أصبحت هناك دولة فلسطينية، وسلطة فلسطينية، تحكم "الضفة" و"القطاع"! لا فلسطين. وبعد 2007 عام الانقسام الفلسطيني، أصبحت غزّة خبراً مستقلاً لا يُضاهى بالضفة. وعرف العالم حملات التضامن مع غزّة. و"غزّة تحترق". و"أنقذوا غزّة". ما بدا تغييراً طفيفاً يترسّخ الآن. لا أحد يذكر فلسطين. إننا نتكلم عن غزّة. وغزّة تستحق. غزّة ضحيتنا التي نخفي عجزنا عن نصرتها خلف التهاني بالشهادة. لم نعطها فرصة الحياة، فهنأناها على الموت المبارك. لكنها ما عادت فلسطين.
بعد "7 أكتوبر"، أصبح الأمر شبه رسمي. كل العناوين تتحدّث عن الحرب على غزّة، وأزمة غزّة، ومجاعة غزّة. وهذا حقيقي. الحرب هناك، والمجاعة هناك. لكنهم يستبدلون اسم غزّة باسم فلسطين، دائماً. فالمشكلة في غزّة. والحل لغزّة. ثم جاء صاحب البيت الأبيض وقرّر أن يحل السلام على الشرق الأوسط بالسيطرة على غزّة وإعمارها بعد تفريغها من جزء ممن بقي حياً من أهلها. لكن جاء لفلسطين المدد من قبيل آخر. وهذا تغيّر في الأحداث لم يتوقعه أحد، لكنه يليق بفلسطين.
في زمان ماضٍ، كانت القضية الفلسطينية قضية الجميع. يتحجّج بها الطغاة لحكم شعوبهم، ويقولون إن العالم يستهدفهم لأنهم مع فلسطين. الشعوب تغفر لحكامها كل شيء، لكنها لا تغفر لهم خيانة فلسطين. كان الكل سعيداً. يغنّون لفلسطين. يحلمون لفلسطين. ثم أصابنا الملل. وأصبح الفلسطيني خطراً، والقضية لا تعنينا، والمعركة لا يمكن الفوز بها. كانت هناك لاءات ثلاث من الخرطوم تقول "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل". أهم قرارات مؤتمر القمة العربية في الخرطوم 1967 تركناها وراءنا. لا بأس، فالزمان غير الزمان، والسياسة بنت واقعها. ومع كل التطبيع الرسمي مع إسرائيل تظل المقاطعة الشعبية أقوى، وتراهن عليها أنظمة. لكن المدد جاء من وراء البحار. إذ أيقظت رائحة الدماء التي سالت بعد "7 أكتوبر" ملايين في أنحاء الكوكب ليتكلموا مرة أخرى، عن فلسطين. حملوا الشعارات القديمة التي تركتها أجيال من اليسار والأحرار الأوروبيين الذين مشوا في ذات المدن يهتفون بالعشرات "حرّروا فلسطين". وبعد نحو نصف قرن، تمتلئ شوارع العواصم الأوروبية بالملايين يهتفون "حرّروا فلسطين".
يقاوم الاسم الفناء. ويقاوم محاولات إسرائيل جعل الفلسطينيين أمةً بلا أرض، حتى على مستوى الاسم. فلسطينيون، ولا مكان اسمه فلسطين. ويحوّل التضامن العالمي الإسرائيليين إلى مجموعات منبوذة لموقفها من فلسطين. ويصرُخ فيهم الأوروبيون ليوبخوهم بكلمة واحدة "فلسطين".
ربما تبدو هذه المعركة أقل ضجيجاً وإلحاحاً في وقت يموت الفلسطينيون قصفاً حتى وهم يتابعون مباريات كأس العالم لكرة القدم. لكنها قد لا تقل أهمية عن بقية المعارك. ليس من حقّ العالم أن يمحو اسم فلسطين ليستبدله بعمومياتٍ، كالضفة والقطاع. ويعتاد اللسان الشعبي على التضامن مع غزّة، ناسياً أنها فلسطين. دائماً فلسطين.