سارقة الكتب

سارقة الكتب

28 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

نعم، قرأت كتاباً في مترو الأنفاق في إسطنبول. هناك تحت الأرض، أخذني أحد الكتب التي وجدتها في مكتبة ابني المغترب التي يحرص عليها، ويضيف لها ما تيسر من كتبٍ بلغات مختلفة. وقد أخذتني رواية ضخمة باللغة الإنكليزية من متابعة تجربة السفر والتنقل عبر مترو الأنفاق في المدينة، وحيث يمرّ بك الهواء البارد المنعش، وصوت المحرّكات السريع، بعيدا عن حرارة الجو فوق سطح الأرض، وعلى الرغم من أن قراءتي لم تكن سريعة، بسبب أن الكتاب لم يكن بالعربية، ولكن ذلك لم يمنع أن أستمتع به وأنا أكتشف طفلةً تتحوّل إلى كاتبة بسبب سرقتها كتابا في طفولتها. وعلى الرغم من المآخذ على الرواية التي حققت نجاحا باهرا عام 2005 للأسترالي ماركوس سوزاك، إلا أنها استطاعت أن تأخذني وتجذبني، خصوصا أنها أخذتني من هاتفي النقال كما يفعل باقي الركاب، حيث يدلون رؤوسهم نحو هواتفهم طوال الوقت، وكأن ذلك الفعل واحد من بروتوكولات استخدام المواصلات العامة المرهقة والطويلة الترحال.

تتناول الرواية قصة الطفلة ليزيل التي تتبنّاها عائلةٌ منذ كانت في التاسعة من عمرها، حيث كانت تعيش معهم في أحد أحياء الطبقة العاملة الألمانية خارج مدينة ميونخ في زمن الحرب العالمية الثانية. وفي ذلك الحي، تعتاد ليزيل على سرقة الكتب من المكتبات ثم بيعها، وبمرور الوقت تتعلم القراءة بمساعدة والدها بالتبنّي، وتبدأ في قراءة الكتب التي تسرقها للأصدقاء والجيران في أثناء الغارات الجوية واختبائهم في مترو الأنفاق. ومن تلك اللحظة تنشأ بينها وبين الكتب علاقة حبٍ قوية، تحوّلها الأحداث المأساوية في النهاية إلى كاتبة روائية مشهورة.

ربما جذبتني الرواية لأنها لامست جوانب في شخصيتي، ولأني قرأت خبرا صغيرا عن زوجة مصرية قرّرت أن تمضي يوما في معرض القاهرة للكتاب، بعيدا عن الأعمال اليومية الروتينية التي تقوم بها كل يوم في البيت، وطالبت زوجها بأن يتركها بين رائحة الكتب ويغادر مع أطفالهما. ثم ذهب نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى توصيات بضرورة حصول هذه السيدة على جائزة أفضل لقطة في معرض الكتاب، حيث وقفت الأم في وجه زوجها أمام أطفالها، وأخبرته بكل شموخ بأنها لن تسمح له بأن "ينكّد عليها عيشتها"، وستشتري كل الكتب التي ترغب في اقتنائها بسبب اعتراضه على التحرّك المستمر والانتقال من قاعة إلى أخرى، واختطفت منه زجاجة المياه لتروي عطشها، وانطلقت لتتصفح الكتب وتشتريها بكل سعادة. ويعدّ هذا الموقف نادرا بالنسبة للأمهات المكلفات بالعناية بالصغار المزعجين طوال الوقت، وأسعار الكتب قد تكون مرتفعة، قياسا لمتوسط دخل العائلة، لكن سعادة المرأة باقتناء كتابٍ تحبه يجعلها تتحمّل ما قد تكابده من ضيق مالي، بسبب شراء الكتب على حساب ضروريات الحياة أحيانا. وهذا يدعونا إلى أن نتساءل: لماذا لا يهدي الأزواج زوجاتهم الكتب؟ لماذا لا يوضع بند شراء الكتب إلى جانب بند تجديد طلاء البيت مثلا أو شراء ملابس موسمية؟ ولن نكون متفائلين ونمتلك القسوة، لكي نطالب بأن نخصص ميزانية شهرية لشراء الكتب.

حاول صنّاع الفيلم الذي شاهدته لاحقا وسريعا الضغط على مشاعر المُشاهد للتعاطف مع ضحايا المحارق الألمانية التي تعرّض لها اليهود، ومدى المعاناة التي عاشوا فيها في فترة الحرب العالمية الثانية. وفي خط درامي فرعي، وليس أساسيا يعرض الفيلم لعلاقة خاصة تقوم بين الطفلة البطلة وشاب يهودي هارب من النازيين، تأويه الأسرة في قبو البيت. وتترك النهاية المأساوية للأحداث، سواء على صعيد الفيلم أو الرواية الأصلية، خلفها علامات استفهام، حيث يموت أفراد العائلة والجيران الطيبون، وينجو اليهودي الشاب الذي استجار بهم والطفلة ليزيل. وعلى الرغم من ذلك، أنت تبقى مشدودا للخط الدرامي الرئيسي، وهو التركيز على الروح والإرادة البشرية التي تمثلت في قراءة الكتب، لتصبح متعة المرء الحقيقية في أحلك الظروف.