زواج وتضليل

10 نوفمبر 2025

(بهرام حاجو)

+ الخط -

تتعرّض المطلّقات في بعض المجتمعات العربية للتنمّر والإقصاء، وأحياناً لتشويه السمعة، ويُنظَر إليهن بريبة، وكأنهن مرضٌ مُعدٍ ومصدر خطر يُهدّد بالاستيلاء على أزواج الأخريات، ويجري اتهامهنّ بالفشل وتحميلهنّ منفردات مسؤولية انهيار الحياة الزوجية، في حين تُبدي هذه المجتمعات تسامحاً أكبر في حالة الرجل المُطلّق، ويُتعامل معه بوصفه ضحيّةَ كيد المرأة وجبروتها، ويُمنَح في العادة صكّ براءة.
لا تعترف هذه المجتمعات الذكورية بالخلل الجسيم في تركيبة بعض الرجال الشرقيّين، "مدلّلي الماما" الذين اعتادوا في نشأتهم على أن طلباتهم أوامر، وأن وظيفة الأمّ والشقيقات السهر على راحتهم، وإعداد أطباقهم المفضّلة، وغسل ثيابهم وكيّها، وترتيب غرفهم، وخدمة ضيوفهم، وعدم التقليل من احترامهم ولو بإيماءة. قالت إحداهنّ: علينا أن نعترف أنّ بعض الأمهات (لعلهنّ الأكثرية) أفسدن أبناءهنّ، وبثثن فيهم وهمَ التفوّق والأفضلية، وأنهم فوق النقد، وافترضن في زوجات أبنائهنّ المستقبليات معاملةً مماثلة. غالباً ما تحظى العروس المرشّحة بالقبول الفوري إذا كانت شخصيتها تشبه شخصية الستّ الوالدة، من حيث التفاني وإنكار الذات والعطاء بلا حدود والقناعة والرضا والمسالمة، وتصبح فرصها أقوى في حال تمتّعت والدتها أيضاً بمثل هذه الصفات.
في أحيانٍ كثيرة، يكون من السهل على الفتيات الراغبات في الزواج إتقان دور شخصية البنت المسكينة الطيّبة قليلة الكلام الخجولة، التي تأكل القطّة عشاءها، تماماً قد يتقن الرجل ادّعاء التحضّر والتفتّح والقناعة بأن الزوجة ندّ وشريكة حياة لها مكانتها في العائلة. وما إن يتمّ الزواج وتمضي أشهره الأولى، حتى يخلع الطرفان أقنعة المجاملة والمسايرة، لتُصدم المرأة بزوج تقليدي يفترض بها دوراً نمطياً امتداداً طبيعياً لدور والدته، لا يتعدّى العناية بالمنزل وتربية الأطفال والاعتناء بهم، وتسخير وقتها للوقوف على راحته، ومراعاة مزاجه، وتأمين احتياجاته، واحترام خصوصيّته وحرّيته، وحقّه في الحركة من دون تدخّل أو امتعاض منها. في حين يُفاجأ الزوج بنموذج مختلف كلياً عن الفتاة الوديعة التي اقترن بها، إذ يجد نفسه في مواجهة امرأة قوية الشخصية تعرف حقوقها وترفض دور التابعة، وتفترض من رَجلها الاعترافَ بها شريكةَ حياة، وليست شيئاً "استحلاه" وأصبح ملكيةً خالصةً مسجّلةً باسمه. سيعتبرها بمقاييسه التقليدية "نمرودةً" في حاجة إلى كسر رأس. ستحرد المرأة في بيت أهلها مرّات عدّة، وسيتدخّل أهل الخير لحلّ الخلاف، وسيصل بهم الأمر كما حدث في زيجات كثيرة إلى المحكمة الشرعية.
سيتعقّد الأمر، بطبيعة الحال، أكثر في حالة وجود أطفال، أوّل ضحايا مثل هذه الزيجات الخطأ، وقد اكتنفها كثير من التضليل والتدليس والخداع، وهذا ما نلاحظه يومياً في المحاكم الشرعية في الأردن لأزواج حديثي السنّ عديمي التجربة، لم يمضِ على زواج بعضهم سوى بضعة أشهر، يمثُلون أمام القاضي في قضايا شقاق ونزاع، بل حدث في عمّان حالات طلاق غرائبية وقعت في ليلة الزفاف لأسباب غاية في التفاهة؛ مثلاً في إحدى الحالات أصرّ أهل العروس على إلغاء العرس وطلب الطلاق، لأن العروس (الرجل) قدّم العوّامة للضيوف بدل الكنافة، وأخرى طلّقها العروس (الرجل) أمام الجميع لأنها رفضت أن تتصوّر مع شقيقاته. وفي حادثةٍ لا تقلّ طرافة وغرائبية طرد والد العروس الجاهة والرجوع عن موافقته على الزواج، لأن العروس (الرجل) بسلامته حضر مرتدياً بدلةً رياضية.
اللافت أن الطلاق في زمننا الراهن لم يعد مخيفاً أو عاراً وحرجاً كبيراً للعائلة، بل أصبح بسهولة شربة ماء، وسُجِّلت في الأردن مثلاً نسبٌ عالية مثيرة للرعب، ما يدلّ على حجم الاستخفاف وعدم إدراك قدسيّة العلاقة الزوجية، التي ينبغي أن تقوم على الاحترام والمحبّة والصراحة، والقدرة على فهم ذواتنا واستيعاب الشريك، والوصول إلى حلول وسط لا تمسّ بكرامة أيّ من الطرفَيْن.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.