ريبة من الدور المصري المستجد في غزّة

ريبة من الدور المصري المستجد في غزّة

27 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

مهما قِيل في موضوع الدور المصري المستجد في غزّة، وموقف النظام المصري من حركة "حماس" خلال جولة الحرب الإسرائيلية أخيراً على القطاع، فهو يدعو للريبة. وليس هذا الموقف موقف دولةٍ تجاه دولةٍ أخرى ليقال إنّ السياسة قلّابة، والعداوات تنقلب صداقات وأحياناً تحالفاً. بل هو موقفٌ مفاجئٌ، بعد سياسة عدائيةٍ تجاه الشعب الفلسطيني، درجت عليها القيادة المصرية سنواتٍ، وورثها نظام عبد الفتاح السيسي عن نظام حسني مبارك، وزاد فيها حتى باتت نشازاً بسبب جرعة الكراهية والتشفّي التي واظب على إظهارها طوال هذه السنوات، علاوة على مشاركته في تضييق الحصار على القطاع. وإذ تُبيِّن الوقائع أنّ الأمر لم يتعدَّ التنسيق لوقف العدوان الإسرائيلي، وتخفيف الإعلام لهجة عدائه تجاه أهالي غزّة، يعرف الفلسطينيون أنّه لا يمكن التعويل على هذا الموقف وذلك الدور في توقُّع انعطافةٍ مصريةٍ حادةٍّ، تقطع مع سياسة شيطنة الفلسطينيين والتمسُّح بجوخ العدو.
فجأة ومن دون أيّ تمهيدٍ، تَوقَّف الإعلام المصري عن تناول أبناء الشعب الفلسطيني، ومن بينهم حركة "حماس" والاحتجاجات الفلسطينية ضد التهويد وسرقة منازل أهالي حي الشيخ جرَّاح، بالانتقاد، وتحميلهم مسؤولية عدوان الاحتلال عليهم، لتبدأ مرحلة تغيير الخطاب الإعلامي، والتوجه السياسي نحو مناصرة الشعب في وقوفه بوجه العدوان. هكذا، وبعد فترةٍ من "الضياع"، يكتشف النظام أنّ ما يقوم به الفلسطينيون من أعمالٍ للدفاع عن حقوقهم وأرضهم وأرواحهم هي مقاومة يجب مناصرتها. وإذ تعدُّ هذه المناصرة منقوصةً، ولا ترقى إلى مستوى ما يجب أن تكون عليه نصرة الأخ المغلوب، إلّا أنّها تعدُّ وقفاً لسياسةٍ مصريةٍ عدائيةٍ استهدفت الفلسطينيين أكثر من عقد، ووصلت، في بعض مراحلها، إلى حدّ تصنيف فصيل فلسطيني مقاوم (حماس) منظمةً إرهابية، بموجب قرار قضائي صدر عن محكمة القاهرة سنة 2015، ثم ألغيَ، في حين كان الأحرى تصنيف الاحتلال الإسرائيلي بذلك بسبب جرائمه بحق أهل غزّة.

ليس من السهل تصديق أنّ النظام الذي واظبت أذرعه الإعلامية سنواتٍ على تبنّي لغةٍ ضد المقاومة، يعود إليه الوعي الآن

وبين تسمية الإعلام المصري العدوان الإسرائيلي على غزة سنتي 2014 و2018 "أوضاعاً متفجرةً" والقتلى الإسرائيليين "ضحايا" وتسمية العدوان الجديد باسمه، وتسمية حركة حماس "مقاومة" لا "منظمة إرهابية"، يظهر البون الشاسع الذي، وإنْ يشكّل انعطافةً في الموقف المصري، إلا أنّه لم يُرِح المصريين، وغيرهم من الفلسطينيين والعرب. ويعود السبب في أنّهم لا يصدّقون أنّ من رقص على أنغام انفجار قذائف الطيران الإسرائيلي فوق رؤوس أهالي القطاع في حروب 2008 و2014 و2018 يمكن له أن يذرف الدموع عليهم في هذه الحرب. كما أنّه ليس من السهل تصديق أنّ النظام الذي واظبت أذرعه الإعلامية سنواتٍ على تبنّي لغةٍ من قبيل مقولة أحد رموزه: "بلا غزّة بلا مصيبة بلا نيلة بلا هباب"، وكان يورد أخباراً تقول: "الطائرات الإسرائيلية أغارت على مواقع إرهابية في غزة"، يعود له الوعي الآن فيتبنّى بسرعةٍ خطاباً يقول عن الصواريخ "صواريخ المقاومة الفلسطينية".
كيف يمكن أن يحدُث هذا وما زالت الذاكرة تحمل مشهد اعتقال شابٍّ مصريٍّ بعد رفعه علم فلسطين في استاد القاهرة خلال إحدى مباريات كرة القدم قبل سنتين؟ وهو موقفٌ صعُبَ على الجميع استيعابه، بسبب مكانة القضية الفلسطينية في وجدان الشارع المصري، فهل سيصدّق أحدٌ النيّات التي يحاول النظام إظهار حُسنها بتغيير لهجة إعلامه ومطالبة وزير خارجيته غير المألوفة بأنّ "الاعتداءات الإسرائيلية يجب أن تتوقف فوراً"؟ تؤكد حادثة الإخفاء القسري لشابٍّ مصري، بعدما وقف وحيداً في ميدان التحرير، خلال العدوان الإسرائيلي أخيراً، ورفعَ علم فلسطين، ثم حادثة اعتقال صحافية مصرية وصديقتها بسبب رفعهما علم فلسطين في المكان ذاته، تؤكد الحادثتان عدم إمكانية ذلك. وتزداد الشكوك حين نعلم أنّ الأمن المصري سأل الفتاتين عن مصدر العلم، وكأنّه أداة جريمةٍ نادرةٌ ويصعب الحصول عليها في مصر.

ما إن دخل الجميع في طور الصحوة من الصدمة التي سبّبها موقف النظام المصري المستجد، حتى تواترت أنباء أنّ هذا النظام قرّر تخصيص 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة

كان يمكن تصديق ذلك كلّه لو أنّ الأمن المصري أفرج عن الناشطَيْن رامي شعث ومحمد جابر المصري، منسِّقَيْ "الحملة الشعبية المصرية لمقاطعة إسرائيل" (BDS Egypt)، بعد سنتين من السجن الاحتياطي من دون محاكمة، وبعد إدراج شعث، قبل سنة، ضمن قوائم الإرهاب، لمجرّد مناصرته القضية الفلسطينية. كان يمكن تصديق ذلك، لو شاهدنا في شوارع مصر تظاهراتٍ، من قَبيل التي خرجت في دول كثيرة، تنديداً بالعدوان. كذلك كنا صدقنا ذلك لو فتحت مصر معبر رفح على مصراعيه، لإدخال المساعدات التي يمكن أن تأتي إلى غزة من كلّ أطراف الدنيا بمجرّد فتحه، بدلاً من فعل ذلك ساعات معدودة لإخراج جرحى للعلاج في الجانب المصري.
ما إن دخل الجميع في طور الصحوة من الصدمة التي سبّبها موقف النظام المصري المستجد، حتى تواترت أنباء أنّ هذا النظام قرّر تخصيص 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، على أن تقوم الشركات المصرية بذلك. حدث ذلك حتى قبل انتهاء المعارك، وصرَّح عنه المتحدّث باسم الرئاسة المصرية الذي أصرّ على السير في السياسة السابقة في عدم تسمية المتسبب في الدمار، حين قال إنّها مبادرة "لإعادة الإعمار في قطاع غزة نتيجة الأحداث الأخيرة" ولم يقل "نتيجة العدوان". فاجأت هذه المبادرة كثيرين بسبب وضع مصر المالي السيئ، ومنهم الذين ما زالوا يتذكّرون كلام الرئيس، عبد الفتاح السيسي، قبل سنوات، عن رفض مشاركته في إعادة إعمار سورية، يوم قال في إحدى جلساته في شرم الشيخ: "أليس السوريون هم من خرّبوها؟ لماذا إذاً أصلحها لهم؟ لا لن أصلحها لهم"، إلّا أنه يُصلح ما يخرّبه الإسرائيليون.
مهما قيل من أنّ نظام السيسي قد اتخذ مناصرة القضية الفلسطينية سبيلاً لتسجيل مواقف، والظهور بمظهر جديد، مغاير للذي بدا عليه منذ اعتلائه السلطة سنة 2014، مفرِّطاً بحقوق مصر في مياهها وجزرها وغازها ودورها الإقليمي الذي أفقدها إياه، إلّا أنّه موقفٌ يبعث التفاؤل لدى الشعب الفلسطيني الذي يبحث عن أيّ بريق أملٍ في ليله الممتد سنوات. كما لا يأبه هذا الشعب بالجائزة التي حاز السيسي عليها، اتصال الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، به مرّتين بعد طول صدّ. ولا يأبه أيضاً إن كانت مصر تريد من وراء هذا الدور أن تسترجع دور الوسيط الإقليمي مع الإسرائيليين، وهو ما تحاول دولٌ عربية طبَّعت أخيراً مع المحتل أن تضطلع به. ما يهم ألّا ينعكس سوء إدارة مصر ملفاتها سوءاً في التعامل مع الملفات التي تتعلق بغزّة وبالقضية الفلسطينية عموماً، عندها ستكون الريبة في محلها.