رواية بعين سينمائية
يشبّه الروائي المصري أحمد المرسي الشخصيات الرئيسة الأربع في روايته، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر 2024)، "مقامرة على شرف الليدي ميتسي" (دار دوّن للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023)، بكرات بلياردو تلاقت في لحظة خاطفة من الزمن، تصادمت، وتقاطعت حيواتها، ثم ارتدّ كلٌّ منها في اتجاه ولم تلتقِ ثانية أبداً. وفي هذا التشبيه كثير من الدقّة، فقد تمكّن الروائي، ببراعة لافتة، من رسم مسار حيوات (ومصائر) هذه الشخصيات غير المتشابهة التي جمعتها صورة فوتوغرافية عتيقة التُقطت على هامش سباق للخيل: الفتى البدوي "فوزان الطحاوي"، وسمسار مراهنات الخيل "مرعي المصري"، و"سليم حقي" الضابط المُسرَّح من الخدمة، والليدي "ميتسي خشاب" الأرملة الإنكليزية الحزينة.
كانت الصورة بمثابة حيلة روائية بالغة الذكاء، لأنها تمكّنت من إثارة فضول القارئ لمعرفة المشترك بين هذه الشخصيات. لعلّ أكثر ما يثير الإعجاب في هذه الرواية المختلفة اللغة أنها مُقتصِدة، شديدة التكثيف والحوارات الرشيقة. تبدأ الرواية من دون مقدّمات فائضة بواقعة موت فوزان عام 1975 في قرية جزيرة سعود التابعة لمركز الحسينية في محافظة الشرقية في مصر، ثمّ يعود بنا الروائي على صهوة السرد الدرامي المتماسك، وبالمشهدية السينمائية البارعة، وبأسلوب فلاش باك، وصولاً إلى العشرينيّات، لينسج فصول الحكاية التي وقعت في القاهرة.
أبدع المرسي في بثّ الحياة الصاخبة الفوضوية المُلوَّنة في أحياء قاهرة العشرينيّات، شوارعها وأسواقها وأزقّتها ومساجدها وكنائسها وحاناتها، وأتاح للمتلقّي رؤيتها بعيني الفتى البدوي الذي غادر قريته الصحراوية النائية قسراً، الولد الخيّال بالفطرة، وعاشق الخيل المذعور من أصوات "الأوتومبيلات"، المذهول من الخليط البشري العجيب: فلّاحين، وأفندية وباشوات بطرابيش حمراء، ونساء بالبراقع وأخريات بالقبعات وبالفساتين الملوّنة المكشوفة، ومعسكرات الإنجليز، وموكب السلطان فؤاد الذي يجوب الشوارع احتفاءً بمولد الملك فاروق.
تفاصيل بديعة مكتوبة بصدق فنّي عالٍ، ينمّ عن جهد بحثي عميق، تجعلك تعيش الحدث بحواسك الخمس، وتتماهى مع الشخصيات، هواجسها، أوجاعها، أمنياتها، أحلامها، أسئلتها الوجودية حول الموت والحياة والفراق والحبّ والحرمان وخيبة الأمل. فتحسّ بحرقة قلب الليدي "ميتسي" إثر فقدان ابنها الوحيد، ولوعة "سليم" على زوجته المريضة وهو يواجه عجزه عن علاجها، بعد أن سُرِّح من الخدمة لرفضه الاشتراك في قتل أبناء بلده كرمى للمحتلّ الإنجليزي، ويخطر لك أن تربت على كتف الفتى "فوزان" مشجّعاً، وهو يعيش لحظة نصر خاطفة حين تمكّن من الفوز على عتاة الفرسان في سباق الخيل مع فرسه "شمعة" الحرّة، التي رفضت الضيم، وتمرّدت على فارسها اليوناني لأنه لم يحترم عنفوانها. وتتفهم أخيراً انحراف "مرعي" وإدمانه الكحول، وتصل إلى جوهر الإنسان الحرّ الكامن في روحه المُعذَّبة حين واجه الباشا قائلاً له بكل هدوء وهو يرفع أنفه، مضحيّاً بمكاسب كثيرة: "إنتَ اللي كلب". ويخفق قلبك شفقةً على "عايدة" العاشقة لزوجها، المتشبثة به بالرغم من حماقاته ومراهناته الخائبة التي أوصلتها، وهي بنت العزّ، إلى حالة الفقر المدقع.
تتساءل باستنكار، بل وبغيظ: أين صنّاع السينما في مصر، وهم ينفقون الملايين على تفاهات، من تحفة درامية جاهزة تقريباً للتنفيذ سينمائياً من دون عناء كبير؟ وبمجرّد أن يصرخ المخرج: "أكشن"، لأننا بصدد نصّ درامي نابض حي أخّاذ، يستحق الاحتفال، والتجسيد في الشاشة ضرورة ثقافية وجمالية، حافل بالمعلومات والأحداث والأماكن والشخصيات التاريخية مثل البارون إمبان، مؤسّس مصر الجديدة (حي هليوبوليس)، صاحب القصر الهندي العجيب الذي بناه لحبيبته، وقد أصبح اسمه قصر البارون، وهو من معالم القاهرة السياحية، والليدي جوديت بليث مربّية الخيول، والشيخ سعود الطحاوي صديق فرديناند ديليسبس، صاحب ومنفّذ فكرة حفر قناة السويس، وغيرهم كثير، بالإضافة إلى عنصر المتعة الكبيرة الذي توفّره الرواية في تتبّع مصائر الشخصيات الفردية، فإنها وثيقة تاريخية مهمّة تسلّط الضوء على مرحلة مفصلية من تاريخ مصر الحديث.
تحية كبيرة إلى الكاتب أحمد المرسي على عملٍ فذٍّ مُدهِشٍ ممتعٍ، شُغِل كما هو جلّي بحرفيةٍ وحبٍّ وشغف.