ركاكة الانقلاب التي لا تحتمل
إذا كانت الثورات تتغذى على الجمال، فإن الثورة المضادة تعيش على القبح، ولذلك ليس غريبا أن تنفق سلطة الانقلاب في مصر بسخاء على تنمية محصول القبح الأخلاقي والمعرفي .
ففي الثورات ومعها وبها يتألق الوجود الإنساني، ويستخرج البشر أرقى وأنقى ما في أعماقهم، ذلك أن الجماهير في خضم الثورة تنشىء، في توافق صامت، نوعاً من التعاقد المجتمعي على التطهر، لتمارس كل " أنا" وجودها المثالي.
قليلون جدا من جماهير ثورات الربيع العربي الغفيرة ربما سمعوا عن "هيجل" ومثاليته في "فينومينولوجيا الروح"، وربما لم يقرأ أحدهم عن"هايدجر" وما طرحه من "أنطولوجيا الدازاين"، لكن الجميع في لحظة نادرة قرروا أن يكونوا مثاليين.
ومن هنا فإن أول ما يفعله الراغب في الانقلاب على ثورة هو تغذية الجموع بكميات هائلة من القبح والرداءة، ليرتد الوجود الإنساني إلى الحالة الغريزية، فيصبح منتهى الأحلام رغيفا وخفيرا نظاميـّاً، أو ثنائية "التوت والنبوت" في عالم نجيب محفوظ .
إنها دولة الركاكة تتأسس على أنقاض دولة الحلم، فطبيعي هنا أن يصبح الغناء بالمؤخرة عملا طليعيا، وأن يكون ثغاء خرساء الفضائيات نشيدا وطنيا، وفي المقابل يقبع خالد السيد وعلاء عبد الفتاح وأحمد ماهر وباسم عودة، وطابور طويل ممن تسري في عروقهم دماء 25 يناير، في المعتقلات والسجون.
ولأن الثورة عمل أخلاقي بينما الانقلاب سلوك غير أخلاقي، كان لا بد من التأسيس لمنظومة قيم جديدة فاسدة ومهترئة، وكما أن للمدن الفاضلة مبادئها ورجالها وعدتها، كذلك لمدن القبح رموزها وجنودها وقيمها وسلوكياتها المشينة التي يمنحها إعلامها الرديء النياشين والأوسمة، ويصعد بها قادتها إلى الرتب الأعلى.
لقد عملت دولة القبح بدأب شديد على إغلاق مسام المجتمع، فصار أكثر بلادة مع مشاهد الدم والتعذيب، وبات يستمتع أكثر بما يـُلقى في دماغه من ملوثات سياسية وإعلامية، وفي مناخ كهذا لا يتوقف أحد عن صرخة أحد أنصع وجوه ثورة يناير، الشاب خالد السيد، من معتقله، والتي يروي فيها أهوال الجحيم منذ القبض عليه وزميله في جبهة طريق الثورة، ناجي كامل، وحتى استقرارهما في سجن أبي زعبل الكريه، مرورا بمقر الاحتجاز في قسم الأزبكية، حيث يتحول امتهان الوجود الإنساني، بكسر أنف الرجال عن طريق الاعتداء عليهم جنسيا، إلى نوع من حفلات السمر للسادة الضباط، يمضغون بها الوقت ويشحنون فيها حناجرهم بالضحك الهيستيري.
يحكي خالد في رسالته المنشورة على بوابة يناير: "في سجن أبو زعبل وبمجرد دخولنا السجن مرينا بالأهوال التي كنا قد سمعنا عنها ولم نجربها. قلـّعونا هدومنا ورشـّـوا علينا مياه ساقعة وسابونا ساعات".
بالمناسبة، لخالد السيد صورة شهيرة للغاية يقف خلفه فيها عبد الفتاح السيسي وابتسامة فخر تعلو محياه لأنه يظهر في اللقطة مع شباب ثورة يناير. كان ذلك في الأيام الأولى لما بعد خلع حسني مبارك، حين كان جنرالات مبارك وتلاميذه يتدافعون للفوز بصورة تذكارية مع وجوه الثورة الناصعة.
ما الذي يجعلهم يفعلون ذلك مع أبناء يناير؟
الإجابة في الفقرة الأولى من هذا المقال.
أما لماذا؟ فلأنهم بالقبح - لا بالحب - وحده يذهبون إلى سدة الحكم.