رسائل الملك عبدالله: أزمة في الداخل.. أزمة في الخارج
رسائل متعددة في البيان السعودي (برندان سمايلوفسكي/فرانس برس/Getty)
من حق المملكة العربية السعودية أن تختار ما يناسبها من سياسات وتحالفات، ولها أن تقف مع الفريق الذي تشاء في أي مكان من العالم، وأن تختلف وتتفق بما يناسب مصالحها، ولكن أن تملي قناعاتها وخياراتها على الآخرين، أمر يثير الاستغراب ويطرح أسئلة عن الدوافع والأسباب والتوقيت.
المقصود بذلك الرسائل التي حملتها التهنئة، التي بعث بها مساء أمس العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز إلى الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي بعد إعلان فوزه بالرئاسة. وهي رسائل استوقفت المراقبين كثيراً في حدّة لهجتها، وتضارب سياقاتها، وتعدّد اتجاهاتها والمعنيّين بها لجهة الداخل والخارج.
ولا يخفى على المراقبين أنّ الفكرة الرئيسية من وراء رسالة التهنئة السعودية لحاكم مصر الجديد، لا تقف عند حدود البروتوكول، بل تتعدّاه إلى إرسال إشارات صريحة لا تحتمل التأويل.
الرسالة الأولى موجّهة للولايات المتحدة الأميركية، بأنّ السعودية داعمة لاستقرار النظام العربي الرسمي، ولن تقبل التهاون في إعادة تثبيت ركائزه. وهذا الأمر ليس جديداً على العموم، فالمملكة اختارت الوقوف ضد رياح التغيير التي هبت من تونس في نهاية عام 2010، وعصفت بالأنظمة الدكتاتورية والفاسدة، وليس مصادفة أن تستقبل الرياض الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وتدافع عن نظيره المصري حسني مبارك الذي لقي المصير نفسه.
الرسالة الثانية للجنرال السيسي الذي وصل إلى الرئاسة عن طريق مسار ملتوٍ، بدأ بالانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتُوّج بمسرحية انتخابية افتقرت للإخراج اللائق. وقالت رسالة التهنئة إن السيسي يحظى بالدعم السعودي الكامل، بل دعت كل مقتدر إلى دعمه، في الوقت الذي أجمعت فيه القراءات الدولية للوضع المصري على أن المخرج من المأزق ليس بإغداق مليارات الدولارات على مصر، بل بمساعدتها على العودة إلى مصالحة سياسية.
الرسالة الثالثة، موجّهة لجماعة "الإخوان المسلمين" المصريين ومن يساندهم، إقليمياً ودولياً، بأنّ هؤلاء خارجون على وحدة المنطقة واستقرارها. والربط السعودي هنا ليس من فراغ، فهناك مخاوف سعودية من "الإخوان" لكونهم القوة السياسية الوحيدة المنظّمة القادرة على لعب دور أساسي في أكثر من بلد عربي.
والرسالة الرابعة هي للنشطاء في الداخل و"الإخوان" السعوديين، وكل داعمي الثورات العربية، بأن عهد التساهل مع أفكارهم انتهى.
وكان من اللافت أمس ما كتبه رئيس تحرير صحيفة "الاقتصادية" السعودية، سلمان الدوسري، على "تويتر"، أن من يزعم الولاء للملك لا يخالفه منهجاً وفكراً.
ومعنى ذلك أن السعودية ماضية في سياسة ترميم النظام العربي القديم، والتأكيد على دعم الثورة المضادة بالقمع من أجل العودة لما قبل 2011، وتطبيق هذه السياسة في الداخل تترجم من خلال الأحكام التي وصلت في الآونة الأخيرة حد الحكم بإعدام ناشطين تظاهروا في القطيف، وسجن الإصلاحيين.
كما يعني ذلك اعلان حرب داخلية وخارجية. في الداخل الحكومة تبدو عازمة على أن تضرب كل رأي مختلف، وفي الخارج تدعم السيسي في قمعه، وتنتظر مآل انقلاب خليفة حفتر في ليبيا، وهي تأمل انتصاره لكي يمتد حكم العسكر من الجزائر حتى مصر، وتصبح التجربة التونسية الواعدة محاصرة بين كماشة لا فكاك منها.
كان بالإمكان أن تكون تهنئة الملك عبدالله إلى السيسي بروتوكولية ودبلوماسية إلى أبعد حد على غرار الخطابات الرسمية، ولكنه أراد، هذه المرة، أن يُضمّن خطابه شيئاً مختلفاً، فكان أن تلقّفته وسائل إعلام السيسي بترحيب يفوق كل التوقعات.
لكن القارئ الهادئ لهذا الخطاب الملكي لا يمكن أن يقفز على كثير من الأحداث والمواقف التي طبعت علاقة المملكة بمصر، في العقود الأخيرة ثم أثناء الثورة المصرية، والتي تفسّر تشنّج الخطاب، وأيضاً بعض المقاطع التي لا تخلو من عنف وتهديد.
لم يُخفِ النظام السعودي، من البداية، معارضته للثورة المصرية، وهو ما يعني معارضته لعزل حسني مبارك، ثم عبّر عن رفضه لمحاكمته، واستقبل الاستحقاقات الانتخابية ببرودة وجفاء ولم يَرُدّ بإيجابية على كل دعوات الرئيس المنتخب محمد مرسي إلى تعزيز العلاقات، وهو ما أدى، لاحقاً، بعد الانقلاب الذي دبّره السيسي، إلى اعتبار تنظيم "الإخوان المسلمين" حركة "إرهابية" تجب محاربتها في كلّ مكان.
كل هذه الاعتبارات وغيرها أثّرت على التهنئة الملكية إلى السيسي، فجاء الخطاب السعودي متناقضاً وأغفل الكثير من الحقائق التي لا يمكن إخفاؤها أو تزويرها. فقد أتت رسالة تهنئة على الفوز في انتخابات في الوقت الذي ترفض فيه السعودية فكرة الانتخابات أصلاً، وترى فيها بدعة. وتعرف السعودية، كما العالم كله، أن هذه الانتخابات لم تكن عادلة ولا ديمقراطية ولا شاملة، فإضافة إلى موقف "الإخوان المسلمين" وأحزاب أخرى، قاطَعَتها شرائح شعبية واسعة.
وفي الوقت الذي وصفت فيه معظم الصحف الغربية الانتخابات المصرية بالإخفاق والفشل، يتحدث الخطاب الملكي عن "يوم تاريخي" و"مرحلة جديدة"، ويذهب بعيداً إلى درجة استحضار جوّ "الثقة" الذي طبع هذه الانتخابات، لكن الوقائع على الأرض تُكذِّب وجود هذه الثقة، وإلا فما السبب الذي دفع لجنة تنظيم الانتخابات إلى اللجوء إلى قرار غير شرعي بتمديد الانتخابات يوماً آخر. وما هو الدليل على أن الشعب أودع السيسي "آماله وطموحاته وأحلامه"، بالطبع من أجل "غد أفضل" ومن "أجل مواجهة مرحلة استثنائية من تاريخ مصر الحديث"، إذا كان هذا الشعب الذي شارك في الانتخابات لا يتجاوز الثلاثين في المئة على أكبر تقدير؟!
يُشير الخطاب إلى الفوضى التي عاشها الشعب المصري في الفترة الماضية، وهو بهذا يخلط بين كل المراحل التي مر بها المصريون بعد عزل حسني مبارك وتنظيم استحقاقات انتخابية ديمقراطية بشهادة دولية، ولكن الخطاب إذ يُدين ما يسميه "الفوضى الخلاقة" لا يُشير إلى من أطلق هذا التعبير وإلى من هو المستفيد منه. إن الخطاب الملكي يقصد، بالتأكيد، أنصارَ الرئيس محمد مرسي، ولكن ما فائدة الفائزين في انتخابات ديمقراطية أن ينشروا هذا النوع من الفوضى! ويستطرد الخطاب في تعداد أوصاف هذه الفوضى، من فوضى الضياع والمصير الغامض إلى أن يصل إلى تعبير "فوضى دخيلة". هكذا يصف الملك ثورة الشعب المصري على الطغيان والاستبداد، وهو هنا يقدم قاموساً مجانيّاً لكلّ الحكام العرب والمسلمين المستبدّين لمساعدتهم على مقاومة كل انتفاضة وتمرد وثورة. إنّ رفع فزّاعة "الفوضى الدخيلة" يعني أن المجتمعات الاسلامية لا ينبغي لها أن تتحرك أو تتذمر بل أن تتقبل حكامها بصبر واستسلام.
إن من يتمعن جيداً في قراءة هذه الفقرة من الخطاب لا بدّ أن يكتشف أنها مُوجَّهَةٌ إلى الداخل السعودي، وهي تحذير من تنامي تيارات نشِطة داخل السعودية رحبّت بزوال الاستبداد في دول الربيع العربي وبهبّة الشعوب في هذه الدول. ويُقدّم الملك لِحُكّام مصر الجدد الوصفة السحرية للتخلص من هذه الفوضى عبر "كبح جماح الخارجين عن وحدة الصف والجماعة" والاستعانة بـ"رجالات مصر الأكفاء".
لكن الملك يدرك أن الشعب المصري، على غرار كل الشعوب، ليس منسجماً، وبالتالي لا يمكن أن يُحكم من قبل تيار سياسي واحد، فيُعبّر عن أمله أن يكون "أشقاؤه" في مصر روحاً واحدة، وأن يكونوا على قدر من المسؤولية والوعي واليقظة وأن يتحلّوا بالصبر. كل هذا من أجل أن "يكونوا عوناً لرئيسهم". والغريب أن لا أحد سمع مثل هذه النصائح حينما كان الرئيس مرسي يواجه خصوماً هائجين ومنتفضين.
ويتمنى الملك بعدما نصح السيسي باستخدام العنف مع معارضيه "ضرب هامة الباطل بسيف عماده العدل، وصلابته الحق"، بأن يكون صدره رحباً "لتقبّل الرأي الآخر". هنا يتصور القارئ للخطاب أنها دعوة جدية إلى الحوار، وبِغضّ النظر عن كونها دعوة متأخرة، إذ لَمْ نَسمعها حين كان مُعارِضو محمد مرسي يملأون الشوارع ويتأهبون لاقتحام القصر الرئاسي ويخربون الممتلكات العامة. لكن الخطاب سرعان ما يستدرك الأمر بتحديد مَن يَحِقّ الحوارُ معهم: "حوار وطني مع كل فئة لم تلوث يدها بسفك دماء الأبرياء، وترهيب الآمنين". المسألة خطيرة جداً، وفيها تناقض، فالحوار الوطني، منطقياً، مطلوبٌ قبل أي استحقاق انتخابي، وليس بعده، ليتم وفق نتائجه تنظيم الاستحقاقات الانتخابية وأيضاً الاتفاق على صيغة الحكم. ثم مَن هي الفئات التي يقول الملك السعودي إنها لوثت أيديها بسفك دماء الأبرياء؟
وأخيراً يدعو الخطاب إلى مؤتمر لأشقاء وأصدقاء مصر المانحين، من أجل مساعدة مصر "في تجاوز أزمتها الاقتصادية". ولكن هذا الموقف "الجديد" يدعو إلى الالتباس، فلكأنّ المصريين قبل هذه المرحلة كانوا يعيشون في رفاهية. ولو كانت العربية السعودية جادة في دعم أختها مصر لكان الدعم غير مشروط، حتى في فترة حكم الرئيس محمد مرسي. لكن السياسة، بمعناها الضيّق، انتصرتْ على الأخُوّة والإنسانية، وهذا يشبه إلى حد كبير الإملاءات الغربية والأميركية، التي تعرفها المملكة العربية السعودية جيداً، على شعوب العالَم الثالث: "انتخبوا أو بايِعوا حُكّاماً نَقْبلهم ونكون راضين عنهم حتى نُساعِدَكُم". ويُرفِق هذا النداء لمساعدة السيسي بتهديد ظاهر لكلّ من "يتخاذل اليوم عن تلبية هذا الواجب": بأن "لا مكان له غداً بيننا إذا ما ألمّت به المِحن وأحاطت به الأزمات".
والغريب أن الخطاب الملكي بعدما تدخّل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون مصر، السياسية والدينية، يُناشد كلّ أشقاء مصر وأصدقائها "الابتعاد والنأي بأنفسهم عن شؤون مصر الداخلية بأي شكل من الأشكال"، لأن "المساس بمصر يعدّ مساساً بالإسلام والعروبة" بل "وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة العربية السعودية". ويحذّر الملك بأن المملكة لن تقبل المساومة عليه أو النقاش حوله تحت أي ظرف كان". وإذا كان الخطاب من البداية حتى النهاية لا يخلو من قراءات خاطئة وأحياناً ملتبسة، ولكن عن عمد وسابق إصرار، للشأن المصري وتعقيداته، فإن النهاية مخيفةٌ لأن ربطَ الملك السعودي بين مصر والإسلام والعروبة والسعودية يعني، في ظل الانقسام المصري الحاد والمستمر، انحيازاً لطرف مصري ضد طَرف مصري آخر، وهو ما سيرى فيه خصوم السيسي، وهم كُثُرٌ، حرباً سعودية رسمية مفتوحة على مصر.
يصعُبُ فعلاً على المراقب المتتبع لمصير الثورات العربية، في هذا الربيع العربي، أن يفهم الموقف السعودي منها. يبدو الأمر ارتجالياً وانتقائياً إلى أبعد مدى. إذ كيف يُعقل أن ترى المملكة في الحراك الشعبي في سورية ثورة شعبية يجب دعمها وتخليص السوريين من كابوس عائلة الأسد وترى في الانتخابات السورية مهزلة، ثم تعتبر انتخابات السيسي مبايعة من الشعب المصري لقادته الجدد؟