رحلة إلى متاهة صحراء بِدية
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
سيارة تعبر الرمال في صحراء الربع الخالي في عُمان (31/3/2025 Getty)
في هذا الوقت من العام يشقّ كثيرون، أفراداً وعائلات، الطريق إلى صحراء بدية في شرق عُمان. هكذا، فالذهاب إلى بدية بالنسبة إلى العُمانيين يعني الغوص في أعماق الصحراء. وهي صحراء تكاد تكون لامتناهية؛ فيها متاهات وكثبان إن تعمّقت فيها من دون وعي أو دليل، فإن مصيرك يكون مجهولاً أو مفتوحاً على الضياع. لذلك، على زائر بدية (بدايةً) ألّا يغامر، وأن يظلّ في حدود أطراف الصحراء، حيث مجموعة من الفنادق المفتوحة التي هي خيام وبيوت شعر للإيجار، من أبرزها وأقدمها مخيّم ألف ليلة الذي أنشأه المرحوم عبد الله الحارثي، أخو الشاعر العُماني الراحل محمّد الحارثي.
وسط حياة بلاستيكية وجيلٍ بلاستيكي ينمو بعيداً من الطبيعة ومعطياتها، مشغولاً بأجهزة "بلايستيشن" والأدوات الإلكترونية الكهربائية، يشكّل الذهاب إلى الطبيعة عزاءً لمختلف الأسر، بقضاء ليلة كاملة فوق رمال الصحراء، حيث لا توجد تغطية للهواتف المحمولة، فينقطع أيُّ اتصال بالهاتف، وما إن تتقدّم في صدر الصحراء، حتى ينقطع ذلك الخيط المتوتّر الذي يربطك بعالمه. وفي الليل تضيء النجوم السماء، والبرد يحوم بحرية. لا بدّ هنا من لبس أردية سميكة اتقاءً لقرصات البرد؛ ستقضي الليل مرتجفاً إن لم تستعدَّ جيّداً لتلك الليلة الاستثنائية. وهناك من يشعل النار لتخفيف حدّة البرد؛ فما إن يحلّ الظلام حتى ترى ما يشبه نجوماً أرضيةً تتّسع رقعها في جميع ربوع الصحراء.
يحمل معظم الوافدين خيامهم معهم، ويأتون في وقت مبكّر قبل حلول الظلام لينشغلوا بنصب مساكنهم المؤقّتة. لكن هناك من يحلو له النوم في العراء بالقرب من المواقد، مع إحضار مستلزمات المبيت من أغطية دافئة ونار ووسادة. وهناك أيضاً من يتسلّى بالطبخ على أن يتخلّص في الصباح من بقايا سهرته بطريقة لائقة، فلا يترك أثراً وراءه إلّا ما ترسمه الرمال وتمحوه الرياح.
هناك مَن يتعمّد قضاء أكثر من يوم في ربوع الصحراء، ولا يعود أدراجه سريعاً وقد تخلّص من عبء الهاتف وعالمه المتوتّر؛ سيعيش خفيفاً من أيّ مسؤولية هاتفية عدداً من الأيام التي يختارها، ولكن عليه أن يكون حذراً. أتذكّر أن صديقاً، صاحب مخيّم، تاه بسيارته في الصحراء، ظنّاً منه أنه عالِمٌ بأسرارها. تاه بالفعل وكاد أن يموت، واختلطت عليه الجهات. وفي النهاية التجأ إلى شجرة صحراوية يائساً. ولولا قدرة الله، ولأنه كان (بسبب إمكاناته المالية الجيّدة) يحمل هاتفاً فضائياً مكّنه من التواصل في أصعب الظروف. هذا الهاتف، رغم إمكاناته العالية، لم يسعفه في البداية، ولكن بعد إصرار وصبر تمكّن من تعيين مكانه. رغم ذلك، لم يتمكّن المسعفون من الوصول إليه إلّا بطائرة مروحية، ووُجِد بصعوبة بين الحياة والموت، وقد اضطر إلى سحب الماء من سيارته بغرض استخدامه للشرب.
ثمّة قصّة سردها بورخيس "ملك ومتاهتان"، فيها يحاول ملك إفرنجي أن يهين ملكاً عربيّاً، فدعاه إلى قصره ذي الغرف المتاهية. تاه الملك الضيف في أروقة القصر ولم يستطع الخروج إلّا بصعوبة ومشقّة. ولكنّه حين عاد إلى بلده جهّز جيشاً وغزا بلد الملك الإفرنجي واقتاده أسيراً، ثم حمله إلى الصحراء ورماه فيها، وقال له: "هذه متاهتي، فاخرج منها إن استطعت".
وعند الظهيرة يمكن أن تهبّ ريح عاصفة تستمرّ أحياناً نحو ساعة. وإن لم تكن لديك خبرة في رياح الصحرا،ء فإن الرمل سيغمرك كاملاً ويملأ فتحات وجهك. الخبراء بأمور الصحراء يعرفون موعد هذه الريح ومدّتها، فيستعدّون لها جيّداً، إمّا بدخول خيامهم سريعاً ريثما تمرّ العاصفة بسلام، وإما بتغطية وجوههم جيّداً بالمَصَر أو الأغطية الواقية.
كذلك فإن الحذر واليقظة مهمّان في الصحراء، تحسّباً للعقارب الصفراء الفتّاكة؛ وهي حوادث نادرة، لكنّها موجودة في الصحراء. لذلك يأخذ معظم الروّاد ما يمنع وجودها، مثل إشعال النار في البرد أو استخدام مراهم معيّنة تحمي من لدغاتها. كاتب هذه السطور كثير الزيارات للصحراء، ولكنَّني لم أصادف يوماً حادثةً من هذا النوع، باستثناء ما أسمع عنه من مغامرين يتعمّقون في قلب الصحراء.
ومن أراد أن يعرف تفاصيل متاهات صحراء بدية، أو صحراء الربع الخالي في جانبها العُماني، فليقرأ كتاب "الرمال العربية" لولفرد ثيسيجر... كتاب ممتع، إذ قطع الرحالة الإنكليزي صحراء الربع الخالي الرهيبة مرَّتَين، وهناك واجه ما لا يمكن تصوّره من أحداث، كذلك عرف صفاء أهل الصحراء ونقاءهم ومروءتهم، الذين أحبّهم وأحبّوه.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية