رحلة إلى الوادي البعيد
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
مشهد في وادي بني خالد في عُمان (31/3/2025 Getty)
أصبح وادي بني خالد (في عُمان)، مع تمهيد الطريق وتعبيدها، وجهةً سياحيةً داخليةً نشطة. ولكن فيما مضى كان الوصول إلى هذه الأماكن السياحية دونه خرطُ القتاد، كما يقول العرب. وربّما كشف تمهيد الطرق لمناطق كثيرة خلف الجبال والوهاد المرتفعة سحراً خفياً، بعد صعوبة الوصول إليها، التي كانت أحياناً تجري بواسطة الحبال. كنا نسمّي وادي بني خالد في طفولتنا "الوادي البعيد"؛ عليك أن تشقّ نصف يوم للوصول إليه في رحلة تبدأ بُعيد الفجر، لكي تمكث هناك ثلاث ساعات أو أربع، لكنّها ساعات لا يمكنها أن تفارق الذاكرة. أتذكّر حين زرته للمرّة الأولى برفقة والدي، وعدد من الأقارب، في سيارتَين من نوع "بيك آب"، واحتشد الأطفال في صفيح خلفيتَيهما.
كان الطريق ترابياً وحصوياً، بل في بعض الأحيان، وخصوصاً عند الوصول إلى عقبة تُسمّى "عقبة الصفرية"، تشعر وكأنَّك في أعلى مكان في العالم، وترفض بعض السيارات الصعود بسبب ثقل الركاب، فيضطرون إلى النزول منها والصعود مشياً إلى القمّة. وحين وصلنا إلى وادي بني خالد، وهو برك مائية فسفورية نشطة طوال العام، قضينا النصف المتبقّي من النهار في السباحة، ووقت الجوع كنا نزدرد التمر والقهوة التي تُحضَّر في عين المكان بجمع الحطب المتناثر وإشعاله.
ولكن في أثناء الرجوع غرقتُ. كان الجميع يركب السيارتَين، ولم ينتبه إلى غيابي أحدٌ، وكنت أدفع جسدي إلى الأعلى وأنطق بكلمة واحدة "باه"، ولكن أبي لم يسمعني. وفي لفتة قدرية، يوجّه قريب لنا (اسمه سلطان) بصره جهة البركة، فيرى الطفل الذي يغالب الغرق، فيضرب على السيارة أن تقف، ويخلع دشداشته ويقفز لانتشالي.
حين زرته أخيراً، أبهرني كثرة الزوار، وهو أمر طبيعي في إجازة العيد الوطني. العائلات كانت منتشرةً في كل مكان، والأطفال يركضون بمرح، والسيَّاح يلتقطون الصور من كل زاوية. صحيح أن الهدوء في هذه الفترة ليس مثل الأيام العادية، لكن الزحام أضفى طاقةً وحيويةً على المكان. واصلت السير مستكشفاً الممرّات الطبيعية الطرية بين الصخور، ومن حولها الناس يستمتعون بالسباحة والتجوال. بعضهم كان يقفز في المياه من حوافّ صخرية منخفضة، وآخرون يسترخون قرب البرك، بينما تتعالى هتافات الأطفال الذين اكتشفوا الحرية الفارهة في عالمهم المائي.
وجدت تغيّرات كثيرة في المكان؛ فالبركة لم تكن واحدة، وإنما هناك عدد متوزَّع منها على طول البساط الصخري. وكانت نشطة بالزوار بسبب هذه الوفرة المتفرّقة للمياه. وتنتشر بالقرب من البرك، وعلى مرتفعات متفاوتة، أشجارُ النخيل التي تحتضن المياه وتجعل اللون الأخضر بساطاً في وسط الصخور الجبلية. وجود النخيل يعطي المكان لمسةَ حياة إضافية، ويؤكّد أن المياه هنا ليست موسميةً، بل دائمة على مدار العام. لكن في أجزاء أخرى من الوادي، يقلُّ الغطاء النباتي بسبب الأرض الصخرية، وتسرح الأغنام في حوافّ النظر، مشغولةً بالمضغ، رؤوسها محنية بسبب وفرة الأعشاب.
وهناك تغيّر واضح حدث للمسافة؛ فعِوَض نصف يومٍ كنّا نقضيه للوصول إلى وادي بني خالد، انطلاقاً من العاصمة مسقط، لا يحتاج الأمر بعد تعبيد الشارع إلى أكثر من ثلاث ساعات. وقد جُهِّز المكان بمقاهٍ وأماكن للجلوس، فالصخور وبعض البقع الخضراء الطبيعية المحيطة ببرك المياه يمكنها أن تشكّل أماكن مريحة، كما أن المكان مناسبٌ للمشي والصعود، حتّى تصل قدماك "كهف مُقَل".
حيكتْ حول هذا الكهف فيما مضى، بسبب ارتفاعه وغموضه، خرافة سمعتها مراراً من جدَّتي، وهي أن بابه لا ينفتح من دون إطلاق جملة معيّنة، مرَّتَين: أثناء الدخول وأثناء الخروج. وأن من ينسى أن ينطق تلك الجملة فلا يمكنه الخروج إذا كان في الداخل، ولن يتمكّن من رؤية الشمس، إلّا إذا جلب القَدرُ أحدَ الداخلين لفتح باب الكهف. هذا الكهف بدوره يفضي إلى بركة مائية نشطة، تتنادى الضفادع حولها بنقيقها الخافت.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية