رجل خارق لرئاسة الحكومة المقبلة في العراق

25 نوفمبر 2025
+ الخط -

من تحت السجال العام حول نتائج الانتخابات البرلمانية السابعة في العراق، انبثقت الأنباء عن أزمةٍ اقتصاديةٍ قادمةٍ، بسبب شحّ السيولة المالية، وتضخّم الدين الداخلي، والخوف من تراجُع أسعار النفط، خصوصاً بعد تصريحاتٍ جاءت من أعضاء في اللجنة المالية بالبرلمان المنتهية ولايته، عن أن الحكومة المقبلة ستضطرّ إلى تخفيض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار، من 141 إلى حدود مائتي دينار، حتى تتمكّن من دفع مرتّبات الموظفين والتقاعد والإعانة الاجتماعية. وسيؤدّي هذا الأمر، إن حدث، إلى أزمةٍ معيشيةٍ صادمةٍ في العراق، وقد يجلب على الحكومة المقبلة، والنظام السياسيّ برمّته، مواجهاتٍ جديدةً مع الشارع العراقي.
غطّى الانشغال بهذه الأنباء، التي اتخذت طابع النبوءات الكارثية، نقاشاتِ مواقع التواصل ووسائل الإعلام العراقية حول شخصية رئيس الوزراء العراقي المقبل، وهل سيتم التجديد لمحمّد شيّاع السوداني أم تختار قوى الإطار التنسيقي (الشيعي) شخصيةً أخرى.
الحقّ أن الموضوعين متّصلان؛ فالسوداني نفسه متَّهَمٌ بأنه استنفد الخزينة العراقية، وعيّن مليون عراقي في الوظائف الحكومية خلال فترة ولايته، إمّا في محاولةٍ لسحب الاحتقان عند الشباب العاطلين وعدم دفعهم إلى ساحات التظاهر، أو لجعلهم جزءاً من الجمهور الانتخابي الزبائني. ولكن القراءة الواقعية تقول إن الأحزاب المتنفّذة، وحتى الفصائل المسلّحة، استخدمت الدرجات الوظيفية التي أتاحتها حكومة السوداني لتعيين مناصريها ومؤيّديها أيضاً. وإذا كان إغراق مؤسّسات الدولة بالمزيد من "البطالة المُقنَّعة" خطيئةً، فلا يمكن تعليقها على رقبة السوداني وحده.
ونقطةُ اتصالٍ أخرى بين موضوعَي شخصية رئيس الوزراء المقبل والأزمة الاقتصادية؛ أن كيانات الإطار الشيعي وضعت شروطاً لتحديد رئيس الوزراء، تبدو بمجملها محاولةً لتخفيض السقف الذي عمل تحته السوداني. إنهم يريدون تصغير مقعد رئيس الوزراء أكثر من حجمه الحالي، والذي صغّره أصلاً عقب انتخابات 2014 لمنع المالكي أو من يشبهه من التحكّم بمفاصل الدولة.
ولكن، كيف يمكن لرئيس وزراء بمواصفات "موظّف استعلامات الإطار"، أن يضرب بعصاه السحرية ويحلّ الأزمة الاقتصادية المقبلة، فضلاً عن مشكلاتٍ أخرى كبيرة، وحساباتِ توازنٍ دقيقة تتعلّق بالنفوذَيْن الإيراني والأميركي، واستمرار سخونة المنطقة مع الأنباء التي تتحدّث عن نيّة إسرائيل شنَّ موجةِ حربٍ جديدةٍ؟ تقول القراءات الاقتصادية إن 90 دولاراً لسعر برميل النفط هو وحده القادر على تلبية كلّ احتياجات الحكومة المقبلة المالية. وهذا أمرٌ يشبه الحلم؛ فأسعار النفط القياسية تتأرجح اليوم عند 62.56 دولاراً، ولا توجد مؤشّرات إلى ارتفاعها في المستقبل القريب، بل المرجّح أكثر هو انخفاضها.
اعتاد النظام السياسي في العراق، منذ سنواتٍ، على ركل المشكلات الكبرى إلى الأمام وعدم حلّها، ويرفع يديه دائماً إلى السماء ليأتي الحلّ من الخارج. وهذا ما حدث مثلاً مع حكومة السوداني، التي صُوّت عليها بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب الأوكرانية - الروسية، التي رفعت سعر برميل النفط في وقتها إلى حدود مائة دولار. كما أنه تلقّى من حكومة سلفه مصطفى الكاظمي وضعاً مالياً ممتازاً واحتياطياً كبيراً من الذهب والعملة الصعبة.
وبدلاً من مواجهة المشكلة الاقتصادية الجديّة، ومحاولة تنشيط القطاع الخاص وجلب الاستثمارات الخارجية، مدّت الحكومة رجليها واسترخت، ومن خلفها القوى السياسية الكبرى، التي تعرف أن فشل السوداني سيتمّ تعليقه على رقبته هو، أمّا نجاحه فيمكن الالتفاف عليه لاحقاً ومنعه من استثماره سياسياً. وبدلاً من مواجهة المليشيات التي تستولي على القطاع الخاص وتستخدمه لغسل الأموال، أرخت حكومة السوداني الحبل لها، بما يشبه الرشوة، فقط لإيقاف استفزازها لأميركا وحلفائها في المنطقة. فصار ثمنُ تهدئة "الجبهة" العراقية المزيدَ من الأموال في جيوب قادة المليشيات والفصائل.
نعود لنقول إن هذه الإجراءات ليست "براءة اختراع" من السوداني، بل هي منهجُ الأحزاب الكبرى الحاكمة، التي تقف اليوم أمام الجدار، وتقارب الاصطدام به. فحسب تصوّرها؛ المطلوب هو رئيس وزراء "سوبرمان" أمام الأزمة الاقتصادية المقبلة، ولكنه سوبرمان مُكَبَّل، ومربوطٌ بأكثر من حبلٍ بيد زعماء "الإطار التنسيقي".