رجال تحت الضرب

13 ديسمبر 2020
الصورة

(ياسر صافي)

+ الخط -

فجأة؛ تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بسيرة شخصٍ ما، يتحدّث عنه الناس بسوء، ويدعون الله أن ينتقم منه، ويأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، مثلما حدث قبل ثلاث سنوات في بلدة معرتمصرين في شمال سورية، إذ دخل لص مجرم إلى منزل رجلٍ وامرأته، ذبحهما، وسرق أساور الزوجة، وهرب .. وكان في البلدة ذاتها رجلٌ فقيرٌ يعمل سائقاً على سيارة أجرة، وفي ذات قصفٍ روسي خسر إحدى ساقيه، وبعدما تعافى أحدث تعديلاً على سيارته، فصار بإمكانه قيادتها باليدين والساق المتبقية، وذات يوم كان مسافراً بسيارته طالباً الرزق، فكمنَ له قاطعُ طريق، قتله، وأخذ غلته وسيارته وهرب. 

شهدت مواقع التواصل، ذات مرة، انتقاداتٍ لرجلٍ يشتغل بالإغاثة في شمال سورية، نشر فيديو يظهر فيه وهو يوزّع النقود على المحتاجين. وخلال ذلك اشترط على طفلة بعمر الخامسة أن ترتدي نقاباً مقابل أن يعطيها ألفي ليرة سورية (أقل من دولار واحد)! وارتفعت وتيرة الانتقاد والسباب، في وقت آخر مع انتشار خبرٍ عن رجلٍ كان يعمل في هيئاتٍ محسوبةٍ على الثورة والمعارضة أنه اشترى عقاراً في إحدى المدن التركية ببضعة ملايين من الدولارات، مع العلم أن هذا الرجل كان خلال عمله في المعارضة من أكبر المزايدين، المتحدّثين باسم الشعب، المتباكين على آلامه، ولم يكتف بذلك، بل زعم، في ردّه على منتقديه، إنه ورثَ هذا المبلغ الخيالي عن أبيه، مع أن أبناء بلدته يؤكّدون أن المرحوم والده لم يكن قادراً على شراء القمح، فيضطرّ لأن يطعم أولاده "خبز أبو أمون" المصنوع من الذُرَة. وفي الآونة الأخيرة، انطرشت على "فيسبوك" حكاياتٌ عن رجلٍ متحرّش، يستغل عمله في إحدى مؤسّسات المجتمع المدني لإجبار النساء المحتاجات على تلبية رغباته. والأنكى أنه استطاع، كما يروي بعضهم، لَيَّ ذراع المؤسسة التي يعمل فيها، وإجبارها على السكوت. وهنا يجري الحديث عن الحَرَج الكبير الذي تتعرض له النسوة اللواتي يُطلب منهن الإدلاء بشهادة ضد هذا المعتدي، وقد رويت، بالمناسبة، حكاية واقعية قديمة عن فتاةٍ أخبرت أهلها إن أحد الجيران تحرّش بها، فضربها أبوها ضرباً مبرّحاً، وفيما بعد، تحرّش بها الرجل نفسه، فلم تخبر أحداً بذلك، خوفاً من أن تعاقَب على كونها مظلومة. 

تتوقف هذه الأحاديث، عادة، وتتغيّر النغمة، حينما يموت إنسانٌ طيبٌ محبٌّ للخير، مثلما حدث خلال الأسبوع الفائت مع المهندسة مها جديد التي فوجئنا، نحن الذين لم نسمع بها من قبلُ بأنها شخصية فذة بكل معاني الكلمة.. يروي حسّان عباس إنها كانت زميلته في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق، وأنها امرأة ذكية، ومخلصة، وملتزمة. وقد عملت مع المحامي مظهر الشربجي ورضوان زيادة وحسان عباس في "منظمة الشفافية". وشاركت، سنة 2011، في تأسيس "الرابطة السورية للمواطَنة"، وهي من مجموعة التسعة المؤسسين للرابطة.. وهذا كله كوم، كما يقول أشقاؤنا المصريون، والكوم الآخر ذهابُها، مع بداية الثورة وبدء عمليات القتل والضرب والتهجير إلى مدينة اللاذقية لمساعدة النازحين من إدلب وحلب وحماة. وقد تبين أنها تعاني من فيضان عاطفي نادر، يجعلها تتعامل مع اللاجئين وكأنهم أبوها وأمها وأختها وطفلها وطفلتها، فلا تنام الليل إذا تعثر مسعاها لمساعدة أحدهم، ولا يُستبعد أن تبكي إذا انتهت عشر محاولات للتخفيف عن أحدهم إلى الفشل. 

تذكّرني هذه المرأة النادرة باثنين من أصدقائي في معرتمصرين. أحدهما هو حسن مراد الذي كنت أخاطبه ممازحاً بلقب "معلّمي" لأنه علّمني التدخين!. المهم أنه، عندما بدأ نظام ابن حافظ الأسد بقصف المدن والقرى المحيطة بإدلب، وبدأت معرتمصرين تستقبل نازحين، كان يقوم، برفقة مصطفى محمد بيطار، بعملٍ يومي جبار، ملخصه خدمتهم، وإطعامهم، وكان الاثنان يحضران المواد اللازمة للطبخ إلى بيتيهما، ويوصلانها إلى مراكز الإيواء طازجة، ساخنة.