رئيس يؤذي اللغة العربية

23 فبراير 2021
الصورة

الرئيس التونسي قيس سعيد يصل لحضور افتتاح منتدى الحوار الليبي في قمرت (9/11/2020/فرانس برس)

+ الخط -

يشترك رئيسا الحكومتين اللبنانيتين، لتصريف الأعمال حسّان دياب والأخرى المستعصية سعد الحريري، في أمر نادر وبالغ الغرابة، أنهما يقرآن نصوصا مكتوبة أمام الصحافة بالعامية اللبنانية، فيما المألوف أن الناس يقرأون بالفصحى نصوصا مكتوبة، وإذا ارتجلوا يتكلمون بالعامية غالبا. ولا يؤشّر حال الرجلين هذا إلى غير استخفاف المسؤول العربي، وكذا قطاعٍ عريضٍ من النخبة العربية، علنا باللغة العربية. وتتوالى الشواهد الدالّة على هذا الأمر بلا توقف، من جديدها أخيرا الإهانات المريعة التي ارتكبها بحق لغة الضاد غالبية أعضاء مجلس النواب الأردني، في كلماتهم في جلسات الثقة بالحكومة، ومعظمهم أصحاب شهادات جامعية. أما إذا سمعتَ رئيس مجلس الشعب المصري، علي عبد العال، وكنتَ من الغيارى على لغة الأمة الواحدة، فإنك ستحتاج أعصابا خاصة كي تحتمل الوفير من نصب الفاعل وجرّ المفعول به. ويرحم الله الأديب والوزير التونسي، محمود المسعدي (1911 – 2004)، لم يكن يسمح، إبّان كان رئيسا لمجلس النواب في بلاده، بأن يتحدّث الأعضاء بغير الفصحى السليمة، بل ويحدُث أن يصحّح أي خطأ يسمعه. ويستحقّ أداء الرؤساء العرب اللغوي، في خطبهم وكلماتهم وأحاديثهم، بحثا موسعا، لأهمية معرفة مقادير احترامهم اللغة، وبالتالي مواقعهم. ثمّة منهم من كان حرصُه على أداءٍ لغويٍّ سليم واضحا، سواء قرأ نصا أو ارتجل، حافظ الأسد مثلا. وثمّة من يتقنون قراءة النصوص بسلامةٍ بيّنة، فيما تفضحهم أحاديثهم المرتجلة، حسني مبارك مثلا، وبشكل أكثر فداحةً عبد الفتاح السيسي. وفي البال أن الراحل شفيق الحوت كتب، محقّا ومبالغا في آن، إن ياسر عرفات، في خطابه أمام الأمم المتحدة في العام 1974، لم يترك خطأ نحويا إلا وارتكبه، فيما كان النصّ قد صاغه الحوت ووليد الخالدي ومحمود درويش، وشكّلوا أواخرَ مفرداته باللون الأحمر.
أمام البؤس المريع لحال اللغة العربية على ألسنة رؤساء وحاكمين ونخبٍ ونوابٍ ووزراء عرب (فضحت الصحافة أخطاء وزير التربية والتعليم المصري السابق، الهلالي الشربيني، الإملائية، وكانت مهولة)، يشيع منذ أكثر من عام أن الرئيس التونسي، قيس سعيد، صاحب لغةٍ عربيةٍ سليمة، وذلك في معرض مديح شأنه هذا، والثناء على حديثه الدائم بالفصحى. وتُستعاد في الأثناء المقولات الذائعة عن اللغة وعاءً للفكر، وعن وضوح التعبير بلغةٍ صافيةٍ صحيحةٍ دليلا على وضوح الرؤية، فيما الكلام بعاميةٍ فقيرةٍ، وبثرثرة بلغةٍ سطحيةٍ لا تحترم أبسط القواعد، ينم عن تشوّش الرؤية. وبذلك يُحرز قيس سعيد مديحا مضافا. ولكن الحاصل أن كلام الرجل لا يستثير غير التندّر والإضحاك، لشديد الأسف، وهو ما لا يعود إلى العربية الفصحى نفسها، وإنما للتصنّع والتكلّف اللذيْن يبدو عليهما الرئيس وهو يقول ما يقول، سيما وأنه يتعمّد منحىً في كلامه يذهب إلى غريب الفصحى، وغالبا باختيار مفرداتٍ ليس ثمّة ما يدعو إلى استخدامها. ولا شطط في القول هنا إن أثر هذا الأمر بالغ الإيذاء للغة العربية في الحال الراهن الذي نعرف، والذي من تفاصيله أن علاقة الشباب العربي (وغير الشباب أيضا) بلغتهم ليست سوية، سيما وأنهم محاصرون من "السوشيال ميديا" ووسائل الإعلام الركيكة والنفوذ الفادح للغة الهجينة، من العربية والإنكليزية معا، أو العربية والفرنسية معا، فإذا ما قابلتْهم لغة قيس سعيد فإنهم، على الأرجح، سيجدون أنفسَهم مدفوعين إلى النأي أكثر وأكثر من الفصحى، بل ربما سيتسرّب إلى أفهامهم أن اللغة العربية الصحيحة هي هذه، من قبيل التي تكلم بها سعيد، وهو يعطي موظف تشريفاتٍ في مكتبه رسالةً ليسلّمها إلى من سيسلّمها إلى المرسل إليه، ثم "لا يعودَنّ" إلا بما يفيد تسلّم الأخير لها. فيما كثيرون يتحدّثون العربية الراقية، الأنيقة من غير افتعال، والمحمولة على البساطة، ويُحدثون أثرا طيبا في نفوس سامعيهم من أولئك الشباب ذوي المزاج المتحدّث عنه.
بإيجاز، ليست العربية الفصحى التي يلزم تعزيز حضورها في الفضاء اللغوي في مجتمعاتنا العربية هي التي يتكلّمها قيس سعيد، وتثير الهزء، سيما وأنه ينطقها بملامح جامدة ومتجهمة، وآمرة وناهية. وسيما أنها مقرونةٌ بأدائه السياسي، المتعالي، المتحفّظ عليه، وغير المرضي غالبا. وفي هذا كله، فإنه يمارس إيذاءً معلنا باللغة العربية، يتفاقم أثره البائس إذا ما تم تفضيل عامية حسّان دياب وسعد الحريري على فصاحته مثلا.