رئيس فرنسي وراء القضبان

25 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:00 (توقيت القدس)

الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي في طريقه إلى السجن في باريس (21/10/2025 فرانس برس)

+ الخط -

بات الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وراء القضبان، يقضي عقوبة بالسجن مدتها خمسة أعوام، بعد إدانته بالحصول على تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية عام 2007 من نظام الرئيس الليبي الأسبق معمّر القذافي. وقد ينجح الاستئناف أمام محكمة التمييز، ليخرجه من بين جدران الزنزانة الانفرادية، ليمضي بقية عقوبته داخل بيته ممنوعا من الخروج، في شبه إقامة جبرية، لكن من غير المتوقع أن يتغير الحكم.

مهما يكن من أمر، يُعدّ إيداع ساركوزي السجن سابقة، ليس على مستوى فرنسا فحسب، بل أوروبا ككل. ولن تنتهي القضية عند هذا الحد، بل من المقرّر أن يمثل مجدّداً أمام محكمة التمييز في 26 من الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) للاستماع إلى الحكم النهائي، الذي سيصدُر عنها بخصوص فضيحة أخرى متعلقة بمصاريف حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2012، التي وصلت إلى 43 مليون يورو أخفى منها 16 مليوناً في شكل فواتير مزورة.

يُعتبر الحكم على ساركوزي برهانا على استقلالية القضاء الفرنسي، الذي واجه محاولات احتواء وتطويع من السلطات السياسية المتوالية باختلاف ألوانها، من اشتراكية، ويمين تقليدي، ويشكل، في الوقت نفسه، نوعا من الثأر لكرامة هذا الجهاز، الذي يعد حارسا للحقوق العامة وللعدالة والمساواة بين المواطنين. وقد جاء في وقتٍ تواجه فيه فرنسا أزمة حادّة على المستويات كافة، تمتد جذورها إلى بداية الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الحالي إيمانويل ماكرون في مايو/ أيار 2022، بسبب عدم فوزه بأغلبية نيابية، لتشكيل حكومة تقود الدولة، ما أدّى إلى نزاعات مفتوحة بينه وبين معارضيه، من اليسار واليمين، الأمر الذي عكس نفسه على أداء الاقتصاد، وتراجع القدرة الشرائية، والخدمات الاجتماعية، وبلوغ الدين العام نسبة 125% من الناتج المحلي الخام.

درس مهم في الديمقراطية، التي فتحت الطريق أمام ابن مهاجر أجنبي ليصل إلى رئاسة الدولة، مواطن له كامل الحقوق، وعن طريقها تمت محاسبته، عندما أساء التصرّف بالسلطة، إلى حد أنه دخل السجن من دون أن يشفع له منصبه رئيساً سابقاً للدولة يمتلك نفوذاً واسعاً، وعلاقات محلية ودولية ذات تأثير كبير. لا حصانة حينما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة، ولا تسامح عندما يقول القضاء كلمته، وليس في وسع أي سلطة، سياسية أو اقتصادية، أن تمنعه من اصدار حكمه، بعيداً عن المحسوبية والاعتبارات والضغوط.

هناك حالة ارتياح في أوساط الرأي العام والإعلام والهجرة لحبس ساركوزي، لعدّة أسباب، منها استغلال منصبه وزيراً للداخلية، حيث وظف قدرات الوزارة من أجل حملته الانتخابية، ووجّه الأجهزة لافتعال أحداث عام 2005 في الضواحي التي تسكنها جاليات عربية وأفريقية، من أجل استنفار اليمين العنصري، الذي كسبه إلى صفّه، وصار شريكه في الحكم، وحليفه تجاه الهجرة وضد الاندماج، ولذلك شكّل وزارة أطلق عليها اسم "الهوية الوطنية". وهناك سببٌ آخر، يتمثل في أن عهده حفل بفساد مالي راوغ القضاء، تورّط فيه مسؤولون مقرّبون منه، مثل مدير حملته الانتخابية ومدير "الإليزيه" وزير داخليته كلود غيان، الذي سبق له أن قضى فترة عقوبة بالسجن، ووزير داخلية آخر هو بريس أورتوفو. كما عُرفت عنه علاقاته "الملتبسة" مع رجال الأعمال وأثرياء البلد، ومنهم ليليان بتنكور مالكة مؤسسة "أوريال" لمواد التجميل، وأغدق الهدايا على المصارف وأصحاب الثروات الكبرى في البلد، وهو ما جرّ انهياراً شبه كلي في شعبيّته، وأصبح معزولاً عن القاعدة التي انتخبته باعتباره مرشّحاً سيخلق قطيعة مع كل السياسات السابقة، وقد جاء التراكم في الفضائح والأخطاء والعثرات، في متواليةٍ لا تخفى على أحد، تحوّلت إلى ما يشبه كرة الثلج القضائية.

شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
بشير البكر كاتب وشاعر سوري من أسرة "العربي الجديد" ورئيس تحرير سابق
بشير البكر