ذو الدعسة السياسية الناقصة

ذو الدعسة السياسية الناقصة

25 يناير 2022

بايدن في البيت الأبيض إلى طائرته مغادرا إلى كامب ديفيد (21/1/2022 فرانس برس)

+ الخط -

انقضاء سنة من ولاية الرئيس الأميركي، جو بايدن، يُعد مدة كافية للحكم على أدائه بلا تعسّف أو استعجال، ولاستطلاع مآل ما تبقى من عهده، ليس فيما يتعلق بالشؤون الداخلية، أو حتى السياسة الخارجية للدولة العظمى (حيث لا يتسع المقام لعرضها) وإنما فيما يتصل، أساساً، بمواقف واشنطن ومقارباتها لقضايا الشرق الأوسط، الذي كلما حاولت الولايات المتحدة الهروب من مشكلاته العويصة، والنأي بنفسها عن كثبانه الرملية المتحرّكة، لحق بها هذا الشرق المعذّب أكثر فأكثر، وأمسك بتلابيبها على نحو أشد من ذي قبل، وكأنه ظلٌّ لا يفارق صاحبه أبداً.
ولعل الدعسة الوحيدة الكاملة للرئيس المنتخب من نحو ثمانين مليون مواطن أميركي ماثلة في أنه الخلَف الأفضل لأسوأ رئيس دخل المكتب البيضاوي، ليس بالنسبة لغالبية الأميركيين فحسب، وإنما في نظر مختلف شعوب العالم أيضاً، سيما ناس هذه المنطقة عموماً، والفلسطينيين على وجه الخصوص، حيث كانت سنوات ترامب الأربع بمثابة كابوس طويل، أرخى بكلكله على الصدور، وكاد يخنق الأنفاس لدى العرب والفرس والروم، الأمر الذي بدا معه بديل الرئيس الأرعن هدية مجانية هبطت من السماء على أديم هذه الديار، التي تنفست شعوبها الصعداء بعد لأيٍ شديد.
عدا هذا المتغيّر المرحّب به، من اللحظة الأولى، على أوسع نطاق في الكرة الأرضية، وباستثناء إسقاط ترامب، إلى غير رجعة كما نأمل، فإن من الصعوبة بمكان العثور في ملف السنة الأولى من ولاية جو بايدن، إلا على سلسلة طويلة من الدعسات الناقصة، حتى لا نقول جملة من الإخفاقات الممهورة بتوقيع الرئيس الديمقراطي وفريقه.
غير هذه الحسنة، إسقاط ترامب، أو قل هذا الإنجاز المتحقق على يدي بايدن، وهذه الفضيلة التي كانت في حد ذاتها مصدر تفاؤل بعد طول تشاؤم، ومبعث بهجة واستحسان واسعيْن، ظلت يتيمة، أو مثل بيضة الديك، وكادت تتبدّد من ذاكرة كل من صال عليهم الرجل البرتقالي وجال، لولا أن ذلك الشعبوي المقيت يلوّح بالعودة إلى التنافس على الرئاسة.
وإذا كان السجال ممكناً بشأن دعسات بايدن الناقصة (بدلالتها المجازية) على أكثر من صعيد في مجمل سياساته الخارجية، من أفغانستان إلى اليمن وسورية والعراق، فإن سياسته الشرق أوسطية تتحدّث عن نفسها بنفسها، بعد أن صارت عناوينها مكتوبة على الحائط بالخط الأحمر العريض، وبات خطابها مقروءاً بسهولة شديدة لدى الحكّام والمحكومين في هذه الديار المستباحة، أرضاً وبحراً وسماءً، سيما من جانب أميركا التي يمّمت وجهها أخيرا صوب جنوب شرق آسيا، من دون أن تتخلى يوماً عن إدمانها التدخل السافر، تحت شتى الذرائع، في شؤون بلاد العرب والمسلمين.
ومع أن إخفاقات واشنطن في هذه المنطقة متوارثة من عهود سابقة، وإدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، إلا أن ما فاءت به السنة الأولى من رئاسة بايدن، من تخبّط وسطحية وقلة إدراك، كان باعثاً على خيبة الأمل وشيوع حالة الإحباط، نظراً إلى ارتفاع مستوى التوقعات، إثر انتهاء عهد ترامب، وانقشاع تلك الغيمة السوداء عن سماء هذه البلاد، ناهيك عن ازدياد مساحة التفاؤل بمجيء رئيس أميركي محمّل ببشائر العدل والحرية والسلام، حيث بدا جو بايدن، الكاره للتمييز الديني، الهاجس بالديمقراطية والدبلوماسية والتسامح والمساواة بين الأعراق، وكأنه قادم لتوّه من منظمة حقوق إنسان.
ومن غير الإبحار كثيرا في منعرجات ملف إيران النووي، الذي وضعه بايدن على رأس اهتماماته الخارجية، وقاربه بخيار أوحد اسمه الدبلوماسية، نجد أن الرئيس، المفعم بحُسن النية، قد أصبح أسيراً لهذا الخيار، مُثقلاً بقيود ما سبق أن أسمينا "الدبلوماسية الدرداء" التي استثمرت فيها الجمهورية الإسلامية بكفاءة، وبنت عليها موقفاً تفاوضياً ابتزازياً متصاعداً، إلى الحد الذي بدت فيه إيران صاحبة اليد العليا في فيينا، تحاصر الولايات المتحدة وتفرض عليها العقوبات.
وأحسب أن أكثر ما يبعث على خيبة الأمل، ويحمل على وصف بايدن أنه رجل الدعسة الناقصة بامتياز، هي هذه المقاربة السطحية لأقدم معضلات المنطقة الأكثر قابلية للاشتعال، ونعني القضية الفلسطينية، حيث لم يُحدث بايدن سوى بعض التعديل في النبرة، قياساً بلغة ترامب الفائضة بالغطرسة والانحياز لعتاة المستوطنين، لم يُجر أي تبديل على نهج أميركي شديد الاختلال، الأمر الذي يدفع إلى القول إن أميركا هي أميركا من قبل ومن بعد، وإن الرجل عديم الكاريزما في البيت الأبيض لا يعوّل عليه.