دير حافر بعد الشيخ مقصود

18 يناير 2026

عناصر من الجيش السوري يدخلون دير حافر شرقي حلب بعد انسحاب "قسد" منها (17/1/2026/الأناضول)

+ الخط -

يعود تاريخ سيطرة القوات الكردية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية إلى عام 2012، عندما خرجت قوات النظام الهارب منها إلى غير عودة. ومنطقة الشيخ مقصود تلة مرتفعة تسيطر على شارع خالد بن الوليد المعروف بطريق الكاستيلو، وهو شريان لوجستي هام في شمال حلب، حيث يكتظ المكان بالمباني الحديثة متوسطة الارتفاع. وعملت القوات الكردية، التي شكلت نواة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحقاً، على تحصين المنطقة منذ ذلك الوقت المبكر، وتمركزت عميقاً في الحيّ، مسيطرةً من مواقعها المرتفعة على ما يحيط به. ومنذ سقوط النظام قبل أكثر من عام، شهدت خطوط تماسّ الحيّ مواجهات متفاوتة الحدّة، حتى اللحظة التي انفجر فيها الوضع، وقرّرت الحكومة في دمشق وضع حد نهائي لحيّ الشيخ مقصود وما يحيط به في حلب، وكانت نتيجة المعركة محسومة. ولكن، كان يُتوقع لمدّة المعركة أن تكون أطول بكثير، نظراً إلى تمكّن عناصر "قسد" من المكان وطول فترة التمركز فيها، فيما تهاوى الحيّ بسرعة، وكان الجيش الحكومي مهنيّاً إلى درجة عالية، وتجلى ذلك ببدء عودة الحياة الطبيعية فور التوقف عن إطلاق النار، وإعلان السيطرة الكاملة على حلب وخروج "قسد" النهائي نحو مناطق وجودها في الشرق.

تبدو المعركة في حلب مقدّمة لما يمكن أن يكون الحل النهائي لمسألة "قسد" وشكل وجودها في الشمال، وتحديداً لعلاقتها مع الحكومة في دمشق، وقد بدأت سلسلة من الإجراءات العسكرية في محيط دير حافر، وهي مدينة في ريف حلب الشرقي، كانت محوراً لسلسلةٍ من السيطرة المتبادلة سابقاً، فقد خرجت من يد النظام لتسيطر عليها قوات المعارضة، ثم قوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لتعود إلى سيطرة النظام بشكل مستمر حتى لحظة سقوطه، فاستغلت "قسد" تخلخل الوضع الأمني، مع بدء عملية ردع العدوان، لتتحرّك متقدمة نحو محيط دير حافر، وسط انشغال قوات المعارضة التي وصلت إلى دمشق وحصّنت نفسها. وبعد معركة حلب قبل أيام، التفتت القوات الحكومية نحو المدينة، وهي مفتاح هام للشرق كله ابتداءً بالرقّة، وقد تكون نقاط التماس الأخرى قد شهدت تعزيزاتٍ، وخصوصاً في منطقة سد تشرين ودير الزور، وسط ترقّب للعشائر العربية في أرياف دير الزور والرقة، ووسط هذا الاستعداد العلني والتحرك العسكري الواضح، أراد الشرع الظهور مخاطباً الجمهور الكردي مباشرة وعبر وسيلة إعلام يملكها كردٌ في العراق.

كان المقرر لهذا اللقاء أن يوصل رسالة إلى جزء مهم من الشعب السوري، وهم الكرد، وعلى لسان الرئيس أحمد الشرع، وقد أظهرت المقابلة التي عادت وأذاعتها وسائل إعلام سورية الموقفَ الحقيقي للدولة السورية من الكرد مكوّناً ثقافيّاً وإثنيّاً، ولا يبدو الموقف هو البدء بحرب، قد يكون ثمنها مرتفعاً، قبل محاولة مد اليد والانفتاح الكبير لحل المشكلة، وعبر الاتفاق الذي وقِّعَ بالفعل في مارس/ آذار في دمشق بين الشرع وقائد "قسد، مظلوم عبدي، وبدا أنه كان مقصوداً أن يتزامن التحشيد العسكري في شرق حلب مع لقاء الشرع الذي أراد مسؤولو القناة، ولسبب غير مقنع، إلغاء بثها، فاختار الإعلام السوري أن يبثها كي يعكس موقف الدولة الرسمي.

يخدم التوصل إلى حلٍّ سلمي الأطراف جميعاً، حيث سيوفر دماء من الجانبين، ويجنّب قوات وزارة الدفاع خوض معركة مرّة، مع ما سيرافقها من ردّات فعل دولية قد تضرّ بسمعة الحكومة الجديدة التي سعت جاهدة في العام المنصرم على بناء ثقة تعزّزت بعدة إجراءات دبلوماسية موفقة، وخسارة، ولو جزءاً، من هذه الثقة قد تتطلب جهوداً كبيرة لاستعادتها. وإذا كانت نتيجة المعركة محسومة، فإن السلام يجنّب "قسد" ضحايا كثيرين، والمصير الصعب، وستوفر على عناصرها محاولات الانشقاق، أو مآلات عدم الانشقاق، ففي النهاية تمتلك القوات الحكومية عوامل تفوّق عسكرية كثيرة، ويمكن لحل سلمي، لا يبدو قريباً، أن يستخدم نموذجاً عاماً يمكن تطبيقه في مناطق توتر أخرى، لتصبح سورية بعدها وحدة سياسية واقتصادية، بما يحقق بالفعل رغبة أغلبية ساحقة من الشعب السوري.

فاطمة ياسين
فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية