دول جوز لا دول موز

24 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

الدول إما دول موز، أو دول جوز، أو دول لوز.

الكاتب الأميركي الساخر أوليفر هنري، أو موباسان أميركا، هو صاحب وصف "دول الموز"، أطلقه على جمهوريات أميركا الوسطى، في قصةٍ من قصص مجموعته "الكرنب والملوك"، سخريةً من اضطرابها وفسادها وخفتها، وتبعية قادتها لدول الغزو والاحتلال.

وقد انتشر هذا الوصف لطرافته، وجانبَ كتّاب التحليل السياسي العربي الذين كُلِفوا بالوصف الصوابَ، لأنه لا يوافق الحال، حتى لو كانت حكومات ما قبل حافظ الأسد السوريّة قد شهدت انقلاباتٍ بلغ عددها عشراً في عقدين. والانقلابات لم تكن لضعف التشكّل الوطني كما يقال، بل لأنها كانت تنزلق على قشور الموز التي تلقيها أميركا تحت أقدام قادتها، وإنَّ الانقلاب الذي قام به الأسد حوّل سورية إلى دولة جوز، لأنه ليس من طائفة المنقلبين السابقين الموزيين. ومن المفارقات أنّ الموز أصبح حسرةً لا يراها السوري إلا في الصور في عهده الميمون. وذكر ظريف سوري أن سبب حرمان الأسد للسوريين من الموز هو عقاب لهم، ولجعلهم يحسدون القردة في المسلسلات وبرامج عالم الحيوان.

ومن طبائع الأشياء شَبَه بعض الخضار والثمار بأعضاء الإنسان، فالموز يشبه بنان الإنسان، ومن اسم البنان العربية انتشر اسمها في اللاتينية "بنانا"، والجوز يشبه دماغ الإنسان، واللوز يشبه القلب. والحق أن الدول العربية تشبه ثمار الشتاء وثمار بلاد البعيدة، سوى عبد الفتاح السيسي الذي أخذ لقب ثمرة صيفية، بينما هو شتائي، مثل زملائه من الجوز الهندي. ولا نعرف نظاماً عربياً انقلب أو تغيّر إلى خير وعدل، لأن الذين زرعوا إسرائيل في قلب الوطن العربي أحسنوا وقايتها من السقوط، فأحاطوها بالجوز، وقشور الجوز خشبية قاسية، ولا تكسر إلا بالمطرقة، وإذا كان الموز سهل الأكل، لذيذ الطعم، كثير الفائدة، فإنَّ الجوز لا يُتّخذ في سورية إلا لطعام المكدوس، ويشترى بالحبّة، وهو للادخار، وكلاهما الجوز والموز بعيدا المنال.

وقد احتفلتُ كثيراً بشجرة جوز في ألمانيا أمام البيت الذي أقمت فيه، فاجتهدت في جمع جوزها في الموسم، ثم وجدت سبب زهد الألمان فيها، وهو أنَّ جوز تلك الشجرة يحتاج بعد كسره إلى عملياتٍ جراحيةٍ لاستخراج لبّه الكامن في أخاديد جمجمتها وصدوعها وتلافيفها، وهكذا حال سورية التي حطّمها الأسد بالبراميل.

وقد تأسّى جميع المنقلبين العرب أول انقلاباتهم باللوز، فهو في أول ظهوره طريٌ، يؤكل أخضر، وهو باهظ الثمن في سورية اسمه الشعبي عوجه، وعقابية، وفرك، ثم يقسو قلبه وفؤاده وكبده بعد شهر، حتى يصير ظالما لا يرحم، وبعد شهرين يتحوّل ثمرة خشبية قاسية هو اللوز. يحذّر العلماء من تناول الجوز بكمياتٍ كبيرة. الشتاء فصل الأغنياء، والصيف أبو الفقراء، والموز أرحم من الجوز، والدولة الوحيدة في الشرق الأوسط الموزية هي إسرائيل، فهي تقشر حكومتها كل سنتين تقريباً بانتخاباتٍ نزيهةٍ مصحوبةٍ بدماء عربية غالبا، لكنها دولة موز ذكية، أحاطها صنّاعها وزرّاعها بدول جوز، فهي موزة بقشرة جوز.

استطاع عبد الفتاح السيسي بتكليف من رعاته إلقاء موز تحت أقدام الشعب المصري، ثم جوّز نظامه، واهتم كثيراً بزراعات الخضار والأسماك والمخابرات، ليس من بينها الجوز، فهي شجرة لا تثمر إلا بعد سنوات عدة، تقرب من ثمان أحياناً، وهي شجرة معمّرة، وخشبها قوي، والاستعمار يزرع الجوز ثم يقطف ثمره بعد حين، فهو صبور، يمكن أن نذكر من هذا الجوزات: خليفة حفتر والسيسي وحسني مبارك وجمال عبد الناصر وحافظ الأسد.

وسبب الشبه بين أعضاء الإنسان وتكوين النبات أنَّ الإنسان والنبات أخوان، فكلاهما صدرا من أم واحدة هي الأرض، والتقسيم المذكور في أول هذا المقال لا يعني الحصر، فهناك دول ملوخية، ودول أرانب بالملوخية، ودول كبسة ودول حريرة. ونذكر أيضاً دبس البندورة، وهو حساء معظم الأطعمة السورية. أما الغرب، فقد صنع منه الكاتشأب ويؤكل بارداً ويضاف إلى جميع الأطعمة مثل المرهم والدواء. الخلاصة: سورية دولة جوز، وتنظر إلى دماء شعبها من فوق الشرفة، على أنه كاتشأب.