دولة على الورق .. مثالان

دولة على الورق .. مثالان

20 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

منذ بدأت عملية تقويض الدولة الوطنية في المشرق العربي، قبل عقود، وتعزّزت وتائر انهيار هذه العملية بصورة منهجية، غداة غزو العراق وتفكيك بنيته العسكرية والمؤسساتية، ظهرت في هذه المنطقة، التي تعتبرها إيران مجالاً حيوياً لها، أول إرهاصات الدولة الفاشلة، المفتقرة إلى قوة مركزية ناظمة، تحتكر سلطة إنفاذ القانون وامتلاك السلاح، ولديها القدرة على أداء وظائفها التقليدية، الأمر الذي أفرغ بعض الكيانات العربية من مقومات التطوّر والنمو، أفسدها وأفقر مجتمعاتها، فيما أبقى على صورتها الخارجية، دولةً لها علم مرفرفٌ ونشيد شجي، وسيادة منقوصة، وحدود منتهكة، وعملة وطنية متآكلة.
بمرور الوقت، وزيادة التدخلات الخارجية، واحتدام النزاعات الداخلية، وتعاظم سطوة المليشيات، ذات النفس المذهبي، ترهلت الدولة الوطنية هذه أكثر فأكثر، واكتسبت عملية تقويضها من الداخل زخماً متجدّداً، وراحت قوة القصور الذاتي تفعل فعلها، الأمر الذي نقل هذه الكيانات المتزعزعة من مقام دولة فاشلة إلى رتبة دولة على الورق، اليد العليا فيها للفساد والاستبداد ولزعماء المليشيات الذين انخرطوا في اللعبة السياسية، بما في ذلك الانتخابات البرلمانية والحكومات، ومن ثمّ تحاصصوا الكعكة، وأمسكوا على مقاليد الحكم والنفوذ، وصاروا سدنةً مثل هذه الدولة الكرتونية.
ومع أنّ هناك عدداً لا بأس به من الدول القائمة على الورق فحسب، إلّا أنّ هذه المقاربة ستقتصر على تشخيص حالةٍ متماثلةٍ لدولتين اثنتين لا تُخطئهما العين المجرّدة، هما: العراق ولبنان، وهما البلدان العربيان الأشد بلاغة في رواية هذه الحكاية من الألف إلى الياء، عن دولةٍ دالت على عروشها جهاراً نهاراً، تآكلت ذاتياً على مهل، وفي المآل الأخير غدت مجرّد دولةٍ على الورق، تقيّض على رقاب مواطنيها، هنا وهناك، مليشيا تتشدّق باسم المقاومة تارة، وبالعملية الديمقراطية طوراً. مع ذلك، لا يخصّها ما يخصّ العراقيين واللبنانيين من خدمات كهرباء ودواء مثلاً، وحدّث ولا حرج عن المطالب المعيشية الهائلة.
ولعلّ الحريق المروّع في مستشفى الناصرية، جنوبي العراق، قبل أيام، وما سبقه من وقائع أدهى وأمر، هو النتيجة الحتمية لتحالف الفساد والسلاح المتغوّل على العباد والبلاد، أو هو العرض لمرض دولةٍ توجد على الأطلس فقط، عندها جيش أضعف من الحشد الشعبي، ولديها قضاء مسيّس (هل قلنا قضاء؟) وخطابٌ مزيّف، أنتجه ثم أعاد إنتاجه الإرهاب والانتقام والاستقواء على ما تبقى من دولةٍ لا تملك من أمرها سوى تشكيل لجان تحقيق، تداري بها عجزها عن مواجهة كلّ جريمةٍ تقع في ديارها.
وأكثر من ذلك، فقد بات العراق، بشعبه العظيم وتاريخه المجيد، دميةً بيد هذه الدولة الورقية، أو قل بيدقاً على رقعة الشطرنج الإيرانية، إذ أقام الحشد الشعبي عرضاً عسكرياً، أوائل هذا الشهر (يوليو/ تموز)، في محافظة ديالى، حضره رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، مرغماً على الأرجح، ومرّت من أمامه الأرتال وهي تهتف بحياة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في مشهد هو الأكثر دلالةً على ما آل اليه حال أهم بلد عربي مشرقي على أيدي دهاقنة دولة الحشد، التي كسرت سلسلة العمود الفقري للدولة عن سابق قصد، وجعلت منها نموذجاً ملموساً لدولةٍ على الورق.
أما الحالة الثانية، الأشد تجلياً والأكثر كاريكاتيريةً من سابقتها، فهي لبنان الذي كان أول مكسر عصا للتغلغل الإيراني في المنطقة، تحت شعار تحرير الجنوب والقدس، وصار الحزب المدجّج في ما بعد، درّة التاج في قلادة الدولة الإسلامية، بعدما تحوّلت دويلة حزب الله إلى ما هو أكبر من الدولة اللبنانية، وبات ملك يمينها العقد والحلّ في كلّ شأن من شؤون بلاد الأرز، بما في ذلك "انتخاب" رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومات، وضبط ساعة لبنان حسب توقيت العاصمة الإيرانية.
ومن غير الاسترسال في تشخيص التحوّلات الأخيرة في أكثر بلد عربي قابل للقراءة عن بعد، يمكن القول، بلا مجازفة في التقديرات، إنّ النموذج اللبناني الواقع في قلب حالة انهيار مدوٍّ ملء الأبصار والأسماع، هو الصورة الأكمل لدولةٍ على الورق، وهو المثال الأوضح على مفاعيل عملية نخر بلدٍ من الداخل، وتقويضه بصورةٍ منهجيةٍ طويلة المدى، بدأت باسم المقاومة التي راكمت فائضاً من القوة التي جرى توظيفها في الداخل لاحقاً، بما في ذلك حماية الطبقة الفاسدة، وترسيمها في أعلى هرم السلطة، إلى أن انتهت هذه العملية الممنهجة بالقبض على مفاصل دولةٍ كانت تتفكك، وتسقط سقوطاً بطيئاً بين يدي وكيل الولي الفقيه لقمة سائغة.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي