دور مصر وعلاقات حماس الإقليمية

دور مصر وعلاقات حماس الإقليمية

07 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

أثار "التغيّر النسبيّ" في موقف القاهرة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مايو/ أيار الماضي، تساؤلاتٍ عن احتمال تغير النظرة الرسمية المصرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وإمكانية تطوير العلاقات معها، ضمن مقاربةٍ أشمل ترتكز على احتمال "عودة الدور المصري" عربياً وأفريقياً، واحتمال حدوث "تغيّر" في أسسه ومرتكزاته، خصوصاً تجاه قضية فلسطين.

وبعيداً عن التكتيكات السياسية والتوظيفات الدعائية، ثمّة حاجة ماسّة لقراءة حدود الدور المصري، ومدى قدرته في التغلب على القيود/ المحددات الهيكلية، الداخلية والخارجية، سيما إذا كان المقصود هو التصدّي لضغوط واشنطن وتل أبيب المتصاعدة، وعلاقة ذلك كلّه بإمكانية ترجمة الصمود الفلسطيني، في معركة "سيف القدس"، سواء لرفع سوية الحالة الوطنية الفلسطينية، عبر حوارات وتفاهمات وطنية تقود إلى إعادة تفعيل منظمة التحرير، أو تخفيف حصار قطاع غزة و"إعادة إعماره"، أو في تطوير العلاقات الخارجية لحركة حماس، على ضوء الجولة العربية لرئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية.

في هذا الإطار، ثمّة تقويمان للدور المصري؛ أحدهما يرصد "تغيّراً ملحوظاً" في السياسة المصرية، تجاه عدة ملفات إقليمية، وفي مقدمتها طريقة تعامل القاهرة، في الخلاف مع اثيوبيا بشأن سد النهضة، ومسألة إحالته إلى مجلس الأمن للمرة الرابعة، بعد كسب مصر التأييد العربي لموقفها، في الاجتماع التشاوري لمجلس وزراء الخارجية العرب، في الدوحة 15 يونيو/ حزيران الماضي، ثم القمة المصرية العراقية الأردنية، في بغداد 27 يونيو/ حزيران.

وثمّة من يبالغ بالقول بتحوّل سياسات القاهرة تجاه أديس أبابا، من "الصبر الاستراتيجي"، إلى "الردع الاستراتيجي الشامل" الذي يشمل إمكانية تعطيل آليات عمل سد النهضة إلكترونياً، وجعله مجرّد بناءٍ، غير مُجدٍ مائياً أو كهربائياً، مثلما ينطوي على تنشيط الدبلوماسية المصرية في أفريقيا واستمالة دول عبر تقديم المساعدات المصرية الاقتصادية والفنية، لعزل الموقف الإثيوبي.

أما التقويم الآخر، فيهتم بتأثير استمرارية المحدّدات الهيكلية الداخلية للسياسة المصرية بدون تغيير جذري، على ضوء مؤشّرين؛ "الانغلاق السياسي" للنظام المصري، ورفضه توجيه أية رسائل مصالحة داخلية، وإصراره على إصدار حكم بإعدام 12 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، المحكوم عليهم في قضية اعتصام ميدان رابعة العدوية. وبروز دور مدير المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، وزياراته رام الله وغزّة وليبيا وتشاد، على نحو يذكّر بدور اللواء عمر سليمان، في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ما يعني، إجمالاً، استمرار تحكّم المركَّب الأمني/ العسكري في صناعة السياسة الخارجية، وأولوية الأمن على الاقتصاد والمجتمع والإنسان، وتهميش دور وزارة الخارجية خصوصاً، والبيروقراطية المدنية عموماً، في اقتراح السياسات والبدائل والمبادرات .. إلخ، ناهيك عن صنعها أو تنفيذها.

لن تستفيد "حماس" من التقارب مع "معسكر التطبيع العربي"، بمقدار ما يفيدها، ويفيد الكل الفلسطيني، أن يستعيد وحدته الداخلية

وإذا صحّ القول إن نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي يعاني أزمةً في سياساته الداخلية والخارجية، وارتباكاً في رؤيته لتحالفاته الإقليمية والدولية، بسبب تفضيله علاقاته بأميركا وإسرائيل ودول أوروبا الغربية والسعودية والإمارات على علاقات مصر بالدائرتين العربية والأفريقية، (وهما الأكثر تأثيراً على مصالح مصر الاستراتيجية وأمنها المائي)، فإن حركة حماس تعاني أيضاً من ارتباك رؤيتها السياسية والاستراتيجية، إضافة إلى الحصار الاقتصادي المحكم، ومحدودية الظهير العربي والإقليمي، والعزلة الدولية شبه الكاملة (باستثناء العلاقة مع روسيا)، مع إصرار واشنطن وعواصم غربية كثيرة على تصنيفها "حركة إرهابية". ما يعني، إجمالاً، أن كلا الطرفين (مصر وحماس)، يهدف إلى مكاسب آنية، من تطوير علاقاتهما الثنائية بعد حرب غزّة الرابعة، من دون قدرة حقيقية على إقامة علاقة استراتيجية، تخدم مصالح الشعبين، الفلسطيني والمصري، في المدى البعيد؛ إذ يحول العاملان، الأميركي والإسرائيلي، دون تحقيق هذا الهدف، أخذاً في الحسبان ضبابية مفهوم "الأمن القومي المصري" الذي يُفترض أن يندرج قطاع غزّة ضمن مقتضياته، ناهيك عن تغير الإدراك الرسمي المصري لطبيعة إسرائيل، من كونها "تهديداً" إلى "شريك" في اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وربما إلى "حليف استراتيجي"، خصوصاً بعد انقلاب 3 يوليو (2013)، في مواجهة حركات المقاومة والإسلام السياسي وقوى التغيير السلمي الديمقراطي في المنطقة العربية. وهذا يؤكد صعوبة أن تتوافق "حماس" إلى مدى بعيد، مع التوجهات الرسمية المصرية، إذا أرادت أن تبقى في إطار "حركة تحرّر" تمارس المقاومة، في ظل مؤشّرات تصاعد الغضب الفلسطيني، كما تجلّى في الإضراب الشامل 18 مايو/ أيار الماضي، واحتمالات تطوير الحراك الشبابي/ الشعبي في القدس والضفة الغربية، وصولاً إلى "انتفاضة ثالثة".

وعلى الرغم من زيادة الطلب الأميركي الإسرائيلي على دور مصر في غزّة، فإنها لا تستطيع، بسبب افتقادها أدوات الضغط الحقيقية، تغيير مسار السياسات الإسرائيلية بخصوص التهدئة أو الحرب، حتى فيما يتعلق بقطاع غزّة نفسه، إلا إذا أقدمت القاهرة على إلغاء اتفاقيات السلام، لكن ذلك يبقى مرهوناً بحدوث تغييرٍ جذريٍّ في بنية/ هيكلية النظام المصري، وهو تغييرٌ سيبدأ داخلياً على الأرجح، ثم تظهر آثاره الخارجية على الصعيدين، العربي والإقليمي، ما يؤكّد الحاجة إلى فهم "حدود الدور المصري في ظل قيود عملية التسوية"، وتصحيح الحسابات الفلسطينية والحمساوية بشأن محدودية الدعم المتوقع من القاهرة، إذا جرى التفاهم فلسطينياً على خيار المقاومة، بمفومها الشامل، الذي يتجاوز قطعاً المواجهة المسلحة.

زيارة المغرب حققت مكاسب للرباط أكثر من "حماس"، ما يستوجب إجراء مراجعاتٍ جذريةٍ لتوجهات الحركة وضبط خطابات/ تصريحات قادة الداخل والخارج فيها

وإلى ذلك، تبقى علاقات "حماس" الإقليمية محكومةً بخمسة قيود هيكلية؛ أولها الانقسام الفلسطيني الداخلي المستمر، على الرغم من شنّ إسرائيل أربع حروب مدمِّرة على قطاع غزة. وثانيها تآكل "الإطار العربي" وضعفه غير المسبوق منذ تأسيسه عام 1945. وثالثها غياب إدراك موقع قضية فلسطين من مفهوم "الأمن القومي العربي"، الذي تعرّض، ولا يزال، لاختراقاتٍ خارجية متعدّدة أميركية وإيرانية وإثيوبية، لكن أبرزها كان الاختراق الإسرائيلي، سيما بعد انضمام الإمارات والبحرين والسودان والمغرب إلى "معسكر التطبيع" في عام 2020. ورابعها حالة الاستقطاب الإقليمي في الشرق الأوسط، والتي تفاقمت بعد موجة الانقلابات والثورات المضادّة عام 2013، خصوصاً انعكاس علاقة "حماس" بمحور طهران دمشق حزب الله، على تفاقم صراع قوى المقاومة الفلسطينية مع محور الاستقرار العربي (السعودي/ المصري/ الإماراتي)، الذي جرّم مجمل حركات الإسلام السياسي، ناهيك عن خذلان تصريحات/ مواقف بعض قادة حماس، الذين أشادوا مراراً بالدعم الإيراني، شعوبا عربيةً مظلومةً تقارع مشروع الهيمنة الإقليمي لطهران. وخامسها تصنيف حماس "حركة إرهابية"، في دول غربية كثيرة. وتقلص هذه القيود هامش المناورة الخارجية أمام حركة حماس التي تبقى في حاجةٍ إلى كسر حصار غزة، والتخفيف عن أهلها، وتحصيل مزيد من الشرعية العربية والدولية، لخيارات المقاومة الفلسطينية.

وبغض النظر عن أية مكاسب آنية/ رمزية حققتها زيارة وفد حركة حماس، برئاسة إسماعيل هنية، المغرب، يبقى تقويم صواب التحرّكات الخارجية لحماس وتصريحات قادتها، أو خطأهما، مرهوناً باعتماد منظور استراتيجي مقارن، بناءً على ما حدث بعد حروب غزة الثلاثة السابقة، التي تؤكد استمرار سمات "التكتيكات اللامؤسسية" "والتفرّد" و"إقصاء الفصائل الأخرى"، أسلوباً في إدارة العمل الوطني الفلسطيني، على الرغم من كثرة التضحيات، والروح الوطنية الوثّابة لدى جموع الشعب الفلسطيني.

يعاني نظام السيسي أزمةً في سياساته الداخلية والخارجية، وارتباكاً في رؤيته لتحالفاته الإقليمية والدولية

وربما كان سيفيد حركة حماس أكثر السعي إلى زيارة الجزائر وليس المغرب، سيما بعد تصريح الرئيس عبد المجيد تبون (في لقائه مع قناة الجزيرة)، إن موقف بلاده من قضية فلسطين لا يتغير بالتقادم ولا بالتخاذل، وأنها ملتزمة بالاتفاق العربي على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وإن الجزائر ملتزمة بهذا الموقف، "لكن اليوم لا سلم ولا أرض، فلِمَ التطبيع؟". والمؤكّد أن زيارة المغرب حققت مكاسب للرباط أكثر من "حماس"، ما يستوجب إجراء مراجعاتٍ جذريةٍ لتوجهات الحركة وضبط خطابات/ تصريحات قادة الداخل والخارج فيها، بحيث تستند سياساتها الداخلية وتحالفاتها الخارجية إلى "رؤية وطنية استراتيجية فلسطينية خالصة"، بعيداً عن أية أفكار فصائلية انقسامية أو أيديولوجية "طوباوية" غير واقعية، تضرّ مصالح الشعب الفلسطيني، على المدى البعيد.

باختصار، يجب أن تدرك "حماس" اختلاف حاجاتها عن النظم العربية، سيما المطبّعة مع إسرائيل، قديماً وحديثاً؛ فأغلب الظن أن "حماس" لن تستفيد من التقارب مع "معسكر التطبيع العربي"، بمقدار ما يفيدها، ويفيد الكل الفلسطيني أيضاً، أن يستعيد وحدته الداخلية، بما يخدم هدف مقاومة المشروع الإسرائيلي، ضمن عمليةٍ أشمل لإعادة تعريف القضية الوطنية، بحيث تتكامل أبعادها الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية، بما يفتح الطريق أمام توثيق العلاقات الشعبية الفلسطينية مع شعوب العالم، وتنشيط حركة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، عبر "التشبيك" والتواصل مع قوى "المجتمع المدني العالمي"، لتعزيز حملة المقاطعة الدولية التي تقودها حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات على إسرائيل (BDS).