دساتير في مواجهة كورونا وحالة الطوارئ

دساتير في مواجهة كورونا وحالة الطوارئ

28 يناير 2022
+ الخط -

عندما نحاول إعمال مقياس التحول السياسي في الدول العربية، نستوعب قيمة انعطافة الثورات الديمقراطية في المنطقة، التي جعلتنا نعي المغايرة التي بدأت تدبّ في جسم الأنظمة السلطوية (وإن شكلياً)، والمغايرة في وعي الشعوب الثائرة، حيث صارت الأولى تستشعر أنها تقف على أرضٍ غير ثابتة تطبعها ضبابية التوقع، فكانت هذه الأنظمة في أحسن حالاتها تقاوم من طريق ردود الأفعال وتصيّد الهفوات الممكنة، سواء من داخل جسم الأنظمة القديمة، أو من جهات القوى المضادّة للثورات. وصارت الثانية تؤمن، يوماً بعد آخر، بقيمة حراكاتها، وتعي أنها لا تعود إلى الصفر مهما ساءت أوضاع بلدانها ديمقراطياً.

الجديد في المعادلة أن مقياس التحوّل السياسي والديمقراطي في هذه البلدان سيباغته وباء كورونا، الذي سيكون بمثابة هدية للأنظمة القديمة والكامنة داخل جسم هذه الدول، وبذلك كان التحول نحو "حالة الطوارئ" فاتحة جهنم على اجتثاث رصيد الثورات الهشّ، فبرّرت الأنظمة اتخاذها قراراتٍ عديدةً تكبح الحريات الأساسية والطبيعية للمواطنين، بذريعة حماية الجميع، قرارات لا يستشار فيها رأي الشعوب أو يتخذ لهم اعتبار فيها. وقد يقول قائل إنها معادلة سَرت على جميع شعوب المعمورة، وذلك صحيح، ولكن الأنظمة العربية استغلتها أيضاً لمصلحتها في إعادة توطين سُلطويتها، فصار الذي يقرّر ويحكم طوال السنتين من عمر الفيروس هم المسؤولين الأمنيين في جميع البلدان العربية.

الأنظمة العربية استغلت كورونا لمصلحتها في إعادة توطين سُلطويتها

والمعيار الثاني الذي قد نقيس به هذا التحوّل السياسي، كيف أسهمت حالة الطوارئ هذه في التقليل من قيمة المؤسسات ثانياً، وقيمة الدستور ثالثاً، فصارت المجالس المنتخبة والحكومات مجرّد قنوات للتواصل مع المواطنين فقط، وعطلت جميع صلاحياتها الأخرى. وأما القرار، فتتخذه جهات جعلت نفسها وصية مطلقاً على مصير هذه الشعوب. ولذا، بمنطق المقياس السياسي، فإننا عدنا إلى ما هو أسوأ من النظام السلطوي، وهو الشمولي الذي يدمج كل المؤسسات في جهة واحدة، ويجعل القرارات كلها ذات منبع واحد، ويجعل الجهة الكفيلة بمعرفة المستقبل والحرص عليه الجهات الحاكمة.

التحول الثاني في سلم هذا المقياس العلاقة بالدساتير. نعلم تلك الهبة الدستورانية التي عرفتها شعوب المنطقة بعد ثورات الربيع الديمقراطي، وبينت تطوراً في الوعي بأهمية القانون ودولة القانون والوثيقة الدستورية في حل الخلافات والسير بالتحول الديمقراطي بناءً على أسس دستورية واضحة هي الحَكَمُ النهائي. وعلى الرغم من أن تشرّب الثقافة الدستورية ليس المطالبة بالدستور، حسب ملاحظة الباحث المغربي، حسن طارق، ظل فعل المطالبة بتثبيت هذه الوثيقة أو تجديدها أو نسج دساتير تنسجم وروح الثورات آنذاك، سلوكاً مهماً في فعل التحول السياسي والديمقراطي. هذه السردية ستواجه عراقيل كما يعلم الجميع أمام المؤسّسات العسكرية التي لم تكن لتقبل بتسييد الدستور، كما في حالة مصر، أو الجزائر، إلى جانب تحرّكات القوى المضادة للثورات في إفشال أي بناء غرضه ذلك، كما حصل في ليبيا، وتدخل بعض الدول في مسار البناء الديمقراطي لهذا البلد الممزق.

الطارئ على هذه المواجهة التي تُخاض من أجل تثبيت قيمة الوثيقة القانونية في ذهنية شعوب ما بعد الثورات التقليل من قيمتها انطلاقاً من مدخل قانون الطوارئ، الذي جعلته الأنظمة مدخلاً إلى جعل المتسيد هو السلطة الحاكمة وليس الدستور، فكان هذا التجميد للمؤسسات والدستور طريقاً نحو التشجيع على مزيد من التحول نحو عدم منح الدساتير قيمة كبرى، ومزيد من سلب قيمتها من داخل الوعي الشعبي، وهو ما شهدنا أثره في السلوك الذي بادر به الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في بناء انقلابٍ على الوثيقة نفسها التي جعل من نفسه سيد تأويلها، وفي بلدٍ يُعَد سبّاقاً ضمن الدول العربية في صياغة دستوره (1959)، ما يعني غيابها حرفياً، ليكون الحاضر في المعادلة أولاً وأخيراً "السيد الرئيس"، الذي يعلو على هذه الوثيقة، بل ويعلمنا كيف نفهمها.

رغم رفع حالة الطوارئ فيها، فإن مصر سقطت منها أية مكانة للقوانين، ولا فرق فيه بين وجودها من عدمه، ما دامت المؤسسة العسكرية هي الحكم الأول والأخير

وعليه، لم يكن مستغرباً أن تخرج أطراف عديدة مساندة وفئات اجتماعية عديدة مغرّر بها، (الظاهرة نفسها استغلت في مصر في ما سمّيت ثورة 30 يونيو)، لتجسّد هذه الفئات بسلوكها هذا تشويشاً وتقليلاً من قيمة هذه الوثيقة، بل وصرّحت لافتات بعض المتظاهرين بأن الرئيس التونسي هو الدستور، ولا يعلو عليه شيء آخر.

ورغم رفع حالة الطوارئ في مصر، فإن هذا البلد سقطت منه أية مكانة للقوانين منذ مدة، ولا فرق فيه بين وجودها من عدمه، ما دامت المؤسسة العسكرية هي الحكم الأول والأخير، إنما هي محاولة فقط لتلميع الصورة ومنح الشعور للخارج بأن البلد متماسكٌ، ونجح في مواجهة الأزمة المتعلقة بالفيروس ومخلفاته الاقتصادية خصوصاً، إلى جانب المحاولة في تحسين صورته الحقوقية. أما المغرب، فيلاحظ الجميع أن حالة الطوارئ، وهي غير المألوفة فيه على عكس مصر، كان أثرها واضحاً في جعل السلطة أقدر على مزيد من التسيير والضبط، فحوّلت الدستور نحو مزيدٍ من سيولة التأويل، والذي كما يعلم المشتغلون بالشأن السياسي في المغرب، أن الدستور العرفي هو المتسيد دائماً للمشهد. ولذا، عايش البلد دوماً نقاشاً من طبيعة: كيفية تأويل الوثيقة الدستورية، ومن له الحق في ذلك. واليوم مررنا نحو وضع أكثر صورية لهذه الوثيقة، وفُسح المجال، في المقابل، لرجل الداخلية كي يقرّر ويتحكم في حريات المواطنين وأرزاقهم ومستقبلهم.