دروس نيويورك

09 نوفمبر 2025
+ الخط -

تعامل الساسةُ مع الخيارات الراديكاليّة شرقاً وغرباً، حتّى نهايات القرن العشرين، كما يتعاملُ الطفل مع الحلويّات: سلوك في النظريّة أمام الكبار وآخر في الممارسة مع الصغار. حتّى جاء الرئيس دونالد ترامب، فظنّ كثيرون أنّ "قاطرة الغرب"، ومن خلفها دول كثيرة فيه، مقبلةٌ على مرحلة يمينيّة راديكاليّة كاسرة. إلّا أنّ فوز زهران ممداني، المسلم ذي الأصول الأوغنديّة، بمنصب عمدة نيويورك، بدا لكثيرين نوعاً من تحقيق التوازن. ها هي نيويورك التي أنجبت الرئيس "بطل اليمين الراديكاليّ الجديد"، تنجب العُمدة "بطل اليسار الراديكالي الجديد". حدثٌ فارق يطرح أسئلة عديدة: هل العُمدة الجديد يساريّ حقّاً؟ هل ثمّة فعلاً يسارٌ داخل اليسار الأميركي؟ أم أنّنا أمام سياسيّ آخر، يطلق وعوداً لن يفي بها، في لحظة خداعٍ جماعيّ تمتطي صهوة المدّ الشعبويّ الطاغي، وتصالح بين الحُكْم والراديكاليّة، مثلما فعلت لحظة الخداع زمنَ أوباما، قبل أن تتمخّض عن سياسة الرجل الأبيض من تحت البشرة السمراء. ليس في هذا الحيّز متّسعٌ للإجابة على هذه الأسئلة، ولا في نيّة كاتب هذه السطور النهوض بذلك. إلّا أنّ في الإمكان الخروج ببعض الدروس من هذا الحدث الذي قد يتخطّى نيويورك إلى العالم.
الدرس الأوّل: إذا كان الإعلام عدوّك فاستعمله. أنفقَ خصومُهُ ملايين الدولارات لتشويه صورته فحوّل ذلك إلى دعاية مجانية. اتهموه بالراديكاليّة فازداد بريقه. نعتوه بالاشتراكيّ والشيوعيّ والخطر الأحمر فصار أكثر إنسانية. لم يعد مهمّاً أن يراك الناس بطلاً في زمن الصورة، المهمّ أن يروك كثيراً، حتى لو كان ذلك على شكل كاريكاتير.
الدرس الثاني: إذا كان لا بدّ من الكذب فاكذب بصدق. خدَعَ الرئيسُ الملياردير ملايين الفقراء الطمّاعين، ثمّ سرعان ما تمخّضت وقاحةُ الكاوبوي عن استحالة أن يكون الثراء الفاحش في خدمة الفقر. أمّا زهران ممداني فقد سوّق نفسه من صُلبِه. هو سليل الهجرة، ابنُ أبوين مثقّفين وزوجُ عربيّةٍ سوريّةٍ، والمناهض لإبادةِ الفلسطينيّين، تطابَقَ برنامجُه وخطابُه، لكنّ الأولويّة ظلّت لمعاناة مواطنيه اليوميّة، لذلك صوّت له السود واللاتينيون والبيض والمسلمون وجانب كبير من اليهود، كما صوتت له النساء والطلّاب وسانده المثقّفون والمبدعون. هنا المفارقة الساخرة: ليس من المؤكّد أنّ الرجل صادق في كلّ شيء، لكنّ الناس اختاروه لأنّهم سئموا الكذّابين القدامى.
الدرس الثالث، ولعلّه الأهمّ: إذا كانت السياسة نوعاً من التمثيل فانتبه إلى "الكاستينغ". قد لا يطول العمر بهذه اللحظة النيويوركيّة، وقد يتّضح سريعاً أنّها شبيهة بالسحاب الأبيض. إلّا أنّه من الضروريّ إدراك علاقتها بضرورة تغيير "الكاستينغ"، ومدّه بجرعة ذكاء ظلّت غائبة حتى الآن، في أوروبّا وفي الغرب عموماً، وفي البلاد العربيّة على وجه الخصوص، حيث ما زالت الشعوب تعتقد أنّها تحتاج إلى "مُنْقِذ"، وحيث فقدت النُّخب السياسيّة بوصلتها منذ أن قرّرت الكلام بلغة البنوك والبلاطات بدلاً من لغة الناس.
على أولئك وهؤلاء إدراك أنّ "الكاستينغ" الذكيّ المقصود ليس مقتصراً على إفساح المجال للشباب على أساس العمر. المقصود شباب الأفكار والمناهج وبرامج العمل. ثمّة تكلّس عقليّ مشترك لدى ساسةٍ كثيرين، مختلفي الأعمار. لا فرق في ذلك بين شيب وشباب. والمطلوب شبابُ التفكير في آلام الناس وأحلامهم، ومصالحهم، وشبابُ النظر إلى الواقع لجعله في خدمة أحلام الناس. ولا يهمّ العمر. لذلك صوّت الجيل الجديد لترامب في البداية، لأنّهم ظنّوا أن معجمه الراديكاليّ دليلُ حيويّة، ثمّ سرعان ما اكتشفوا أنّه كان "خطأ في الكاستينغ". لذلك شرعوا في الانصراف عنه.
على أولئك وهؤلاء إدراك أنّ التغيير الحقيقي لا يأتي من عبقرية الشخص، بل من تعب الجماعة. ليس ممداني نسخةً من "سوبرمان"، لكنّه نتاجُ زمن غاضب، قالت بواسطته نيويورك إنّ الوهم انتهى ولو إلى حين. هل يكون هذا درساً؟ ربّما لا، وربّما نعم. لكن الدروس التي لا تكلّف أحداً شيئاً لا تنفع أحداً بشيء. ما نعرفه أنّنا أمام لحظة نادرة. لحظةٌ تشبه اعترافاً يُدلَى به في منتصف حفلة تنكّرية. وربّما نكتشف بعد سنوات أنّ هذا الرجل كان وهماً أو تضليلاً، أو خدعةً سينمائيّةً، أو مجرّد فاصلةٍ في كتاب طويل. لكن في هذه اللحظة، يكفينا أنه شُقَّ الباب، وأن الهواء دخل. فالتاريخ، كما نعرف، يبدأ دائماً بأبواب لم يكن أحد ينوي فتحها.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.