دروس الأحبة تكتفي بالدلال

08 ابريل 2021
الصورة

مي زيادة .. هل كانت تحمّل كل من اقترب منها سرّا يخصها؟

+ الخط -

كان لي في الجامعة المصرية زميلةٌ تنافسني منافسة عنيفة، وكنتُ أضمر لها ظلا من البغضاء. لحظ ذلك المرحوم إسماعيل بك رأفت، فدعاني إلى مكتبه، ثم قال: أتعرف معنى "مية" التي تغنّى بها الشعراء؟، فقلت: لا. .. قال: "مية" هي الخمر بالفارسية، وأهل فارس يسمّون الخمّارة "مي خانة". .. فعرفتُ، يومئذ، أن الآنسة مي معناها المدموزيل صهباء.

ويقول أيضا يوسف الحويك، في موضع آخر من الذكرى لمي عن قصة "كنار"، إنه لمّا زار مي، بعد محنتها في سنة 1938، سألها عما إذا كانت تعرفه من قبل؟ فأخذت مي تضحك، ثم قالت: أنتم الرجال بهاليل. .. وأكملت: ألم تكن في مدرسة عينطورة سنة 1903؟ فصادق الحويك على كلامها، فتابعت ميّ قائلة: وكان لك رفيق هو ابن عمي نعوم زيادة. وأجاب الحويك: نعم هذا بذاته، وعادت مي إلى أسئلتها: أما كانت مراسلات حبّية بين "نعوم وكنار" التلميذة في مدرسة الراهبات المشارفة من مدرستكم؟ عقدت الدهشة لسان الحويك، فلبث صامتا، وتابعت ميّ: كنت أعلم أنك أنت الذي يكتب هذه الرسائل لقريبي نعوم، ويجيب نعوم مستسلما: نعم أنا الذي كان يكتب هذه الرسائل، فتطرح ميّ استفهاما جديدا: ولماذا لم يخطُر لك أن تتحقّق عمن تكون التي أجابت على رسائلك؟

عاشت لم تكره عشّاقها، بل أحيانا أشفقت عليهم وهي مدركةٌ أن لا نفع في محبةٍ يصاحبها شفقة، وعطفت حتى على أصحاب الشأن الرفيع، على الرغم من إدراكها أن المحبة تختلف مع رفعة الشأن، محبة يصاحبها "بعد نظر الروح"، وكأنها كانت تدرك أن الشدائد آتيةٌ مع المحن، واحتالت على أبواب العشق، كي توصد بابها بلطف أمام جلافة الطلب أو القرب، وتركت مساحة ما من الوهم متاحة لأي زارع ورد يأتي من بعيد، ولو على جناح حلم.

كان الشغف هو بستانها وبستان كتاباتها ووحدتها، وكأنه بستانٌ مهجور تأوي إليه في أوقات الحاجة وإثبات الذات في عالم مليء بالوهم والمعارك والحروب، كانت فقط تخاتل المرض وتجعل بينه وبينها أشياء مواربة، وتترك حريرها لحلمها ولنفسها، وأحيانا تخصّ به البعيدين عنها، نكايةً في القرب، حتى ازدادت عقد الحرير طولا حول روحها، وصارت قريبةً من أنياب المرض، وبعيدة عن الجميع.

ما زالت ميّ زيادة مدهشةً في حوليات كتب السيرة، فهل كانت مي تحمّل كل من اقترب منها سرّا يخصّها؟ يخصّها هي وحدها، وهل كانت تدرك أنها تعقد في خيوط الحرير، وأن الحياة دائما، والحكاية أيضا، تستطيع أن تخيط من ذلك الحرير من يعرف أسراره. وأن الأسرار دائما قابلة للتعقيد، حتى وإن حاولنا فكّها، فتركت كل الحرير على حاله، لفطنة من رأى ومن سوف يرى، ومن حكى ومن سوف يحكي أيضا مثل حالنا، نحن الذين لم نذق أي قربٍ ولا أي وصل، سوى وصل الكتب وحرير الخيال.

ما زالت مي تفيض من سنواتها على سنواتنا من غير أي مناسبةٍ أو حاجة، سوى حاجتنا، وهل هناك أي مناسبةٍ للأحبة، كي يقولوا عن الغزل أو يقتربوا من مواربات الدلال، الغزل، هذا الغرام المكتوم، والذي يصاحب القلوب اللطيفة، وأحيانا ينطق اللسان به، كسرا لزجاج الخجل، وطمعا في القرب، وخصوصا إن تم في وجود الأحبة، أو حتى في غيبتهم، وكثيرا ما يحدُث ذلك. وأحيانا يتم الأنس به في الكتب، بعدما تحول إلى تبر وحكايات. وفي الليل، يتحسّس الكفيف هذا التبر بأصابعه، فيصير كتابة، لا تعرف من أين جاءت ولا كيف.