درعا فرصة عربية ضائعة

درعا فرصة عربية ضائعة

02 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يشكّل صمود درعا في جنوب سورية، وأسلوب أهلها في التفاوض والقتال، حالة نموذجية غير مسبوقة على مستوى الثورة السورية، وربما على صعيد حركات التحرّر، إذ استطاعت، بإمكانات قليلة وظروف عسكرية غير متوازنة، وتضاريس غير مساعدة، سهولاً وأراضي مفتوحة، الصمود أكثر من سبعين يوماً، واستغلّ مفاوضوها الحَرج الروسي إلى أبعد حد لإضعاف هجوم النظام ومليشيات إيران في محاولة للتوصل إلى صيغةٍ متوازنة، تمنحهم الأمان وهامشاً من الحرية في مواجهة قوى تعتقد أن أي صيغة أقل من الخضوع التام والاستباحة لن تكون مقبولة.

ما ينقص درعا هو احتضانها أو تبنّيها من أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ، تمتزج مصالحها مع مصالح أهل درعا في الحفاظ على هويتهم في مواجهة الحرب الهوياتية التي تخوضها ضدّهم إيران، أطراف يمكنها صوغ معادلةٍ إستراتيجيةٍ تدمج قضية درعا ضمن إطار أمني إستراتيجي، ومن غير العرب لهم مصلحة في ذلك؟ خصوصاً أنّ الصراع في درعا أصلاً يدور لأسباب جيواستراتيجية غير خفية، سواء من الإيرانيين أو الروس.

المشكلة أنّ الطرف الآخر مدركٌ البعد الجيوسياسي لمعركة درعا، فيما يبدو هذا البعد مغيباً تماما عن أصحاب المصلحة الحقيقيين. ولنقلها بصراحة؛ الأردن والخليج العربي، وربما مصر بدرجةٍ ما، وهذه أوراقٌ يتم حرقها في المواجهة العربية الإيرانية، تكشف مدى ضعف العقل الاستراتيجي العربي في الاستفادة من الأوراق، فيما بنَت إيران قوتها على الاستفادة من كل متغير وفرصة.

لم يستوعب العقل الإستراتيجي العربي معادلة أنّ درعا تشكّل جداراً مهماً في مواجهة طموح إيران للتمدّد إلى العمق العربي، باتجاه الخليج ومصر وشمال أفريقيا، فالمشاريع الجيوسياسية تقوم على حساباتٍ جغرافيةٍ معقّدة، وقد لا تظهر مخاطر ما يحقّقه طرفٌ من قضم واحتلال لقطع من الأراضي أو مواقع إستراتيجية، بشكل مباشر، وتماماً هذا ما تفعله إيران، فهي تدشّن حجر النفوذ والسيطرة لتظهر أثاره بعد عقد، يكون حينها أوان العلاج قد فات.

صمود أهل درعا وبقاؤهم على موقفهم الرافض نظام الأسد يجب أن يكون محفزًا للولايات المتحدة من أجل القيام بمبادرة للوصول إلى حلٍّ ينهي الحرب

قبل عشر سنوات، وعندما تدخلت إيران لحماية الأسد من السقوط، لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع حجم هذا الانتشار والتغلغل الإيراني داخل سورية من جميع أركانها، إلى أن وصل إلى حد سيطرة مليشيات إيران على كامل الحدود السورية مع الدول العربية، العراق ولبنان والأردن، وإحداث تغييرٍ ديموغرافيٍّ في البوكمال والقصير، بحيث تتحكّم بالحدود جماعات موالية لإيران. وفي مرحلة ثانية، جرى إفراغ حواضر كثيرة على طرفي طريق طهران بيروت من سكّانها وحتى تغيير أسمائها.

لا يمكن نكران حقيقة أنّ العرب انخرطوا في الحرب السورية، وفي مواجهة المليشيات الإيرانية بالدرجة الأولى، لكنهم ارتكبوا أخطاء عديدة في هذه المواجهة، أهمها أنهم لم يخوضوا تلك الحرب بأسمائهم الصريحة، بمعنى أنهم خاضوها عبر وكلاء غير مدرّبين، وكان في وسعهم الإعلان عن أنفسهم بشكل صريح، لما تشكّله الحرب في سورية من مخاطر أمنية على البلاد العربية، ولأنّ عدم الإعلان عن المشاركة حرم العرب من وضع خطوطٍ حمراء للطرف الآخر وقواعد اشتباك صريحة. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على وزنهم في المفاوضات الجارية لتقرير مصير سورية.

المفارقة أن العرب لم يكتفوا برؤية رهاناتهم تتساقط في سورية، وغالباً نتيجة افتقادهم القدرة على إدارة الصراع فيها، بل انقلبوا 180 درجة عن طريق حماية مصالحهم الأمنية، من خلال ملاعبة أميركا والضغط عليها لإعادة رجل إيران ومقاولها في عمليات التغيير الديمغرافي وتهجير السوريين، بشار الأسد، إلى الحضن العربي، وقد أرهقوا أميركا بالفعل عبر محاولات اختراقٍ من هنا وتسلّلٍ من هناك، للوصول إلى بشار الأسد، وكأن المستقبل العربي بات مرهوناً بعودة الأسد إلى الحاضنة العربية، وذلك كله تحت يافطة الواقعية بأن النظام لن يسقط وهو باقٍ، أو لإنقاذ سورية من التغلغل الإيراني!

أحداث درعا فرصة ضائعة على العرب لتعزيز موقفهم في الملف السوري

مصادفة، رجحت مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية أن تتسبّب الأحداث الجارية في درعا بقلب الطاولة على الأسد وإجباره على الخضوع للحلّ السياسي، معتبرة أنّ هذه الأحداث قد تتسبب بلعب دور جيو سياسي حاسم في سورية، نظرًا إلى موقعها الذي يحد إسرائيل والأردن، ولمرور طرقٍ تجاريةٍ رئيسة فيها. ورأت أن صمود أهل درعا وبقاءهم على موقفهم الرافض نظام الأسد يجب أن يكون محفزًا للولايات المتحدة من أجل القيام بمبادرة للوصول إلى حلٍّ ينهي الحرب.

وبالفعل، قاتلت درعا بما يفوق طاقتها، على الرغم من تعرّضها لحصار خانق أكثر من شهرين، وقطع جميع طرق الإمداد عنها، لكنّ الولايات المتحدة لم تتحرّك، وهي المنشغلة حتى أذنيها في ترتيب عملية الانسحاب من أفغانستان. ومن غير المتوقع أن تتفرغ لدرعا في وقت قريب، ولم يتحرّك أي طرفٍ عربي بشكل جدّي ضاغط، وكانت الأيام العشرة الأولى كافيةً لصياغة موقف من أصحاب المصالح، ماذا ينتظرون؟ إذا وصلت إيران ومليشيات الأسد إلى أهدافهما في درعا لن يقبلوا التفاوض مع أي طرفٍ إقليمي أو خارجي، إلا إذا كان الغرض تقديم تنازلاتٍ مجّانية، وربما دفع تكاليف الذخائر التي تم إطلاقها على درعا.

عربياً، يمكن القول إن أحداث درعا فرصة ضائعة على العرب لتعزيز موقفهم في الملف السوري، وفرصة ثمينة لإيران التي يبدو أنها ستبدأ المرحلة الثانية من التغلغل في الجسد العربي، ستكون درعا قاعدته.