دحلان في موسكو

دحلان في موسكو

06 نوفمبر 2021
الصورة

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومحمد دحلان في موسكو (2/11/2021 مواقع التواصل)

+ الخط -

أمّا وأن الأعمار بيد الله، وأننا نتمنّى للرئيس محمود عباس (85 عاما) طول العمر ودوام الصحة، فذلكما لا يعنيان استهجان التناسي الماثل في المشهد الفلسطيني الراهن، البليد والمتكلّس، لمسألة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، لو شاء ربّ البريّة أن يقضي أمرا مفعولا. سيما وأنه ما من أحدٍ يأتي على قضية الانتخابات الرئاسية والتشريعية الموؤودتين بأمرٍ من الرئيس عباس، وقد كان مقرّرا إجراؤهما الصيف الماضي، بالذريعة المفتعلة، عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي بهما في القدس، ما يعني أننا في صدد الانتظار إلى ما شاء الله، لمّا يغشى المحتلين شيءٌ من الشهامة فيأذنون بهذا. أما الذي يسّر المناسبة لأن تتذكّر هذه المساحة المعطاة لهذا التعليق خلافةَ عباس، الرئيس منذ 16 عاما، وكذا التطنيش الجاري للاستحقاق (؟) الانتخابي، فهو مباحثات وفدٍ مما يسمّي نفسَه "التيار الإصلاحي" في حركة فتح، برئاسة المفصول من الحركة، محمد دحلان (60 عاما)، في موسكو، مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الثلاثاء الماضي. وعلى ما "سرّب" دحلان، الذي حاكمته محكمةٌ في رام الله في العام 2014 غيابيا، بتهم فساد، فإنه أبلغ مضيفَه إنه بلغ الستين، ولا شيء يريده من السلطة الفلسطينية، والتي ليس فيها، للأسف، ما يُغري للسعي الشخصي إليه، وقال "إنما أريد لشعبي أن يمتلك أداته السياسية، وأن يرمّم كيانه الوطني". كما أن الوزير الروسي استمع من النائب دحلان (يحتفظ بعضويته في المجلس التشريعي الفلسطيني) إنه يُسعده أن يجلس جانبا، وأن يحقّق الطيف الفلسطيني وحدته على أسسٍ ديمقراطية. وشدّد، أيضا، على حرصه على استعادة الوحدة الفتحاوية، والوطنية الفلسطينية العامة.

المؤكّد، بداهة، أن الكلام، أي كلام، ليس عليه جمرُك، وما قاله الوزير والمسؤول الأمني الفلسطيني الأسبق في مبنى الخارجية الروسية قال مثلَه في غير مطرح، وفي وُسعه أن يشيعَه في أي وقت. أما أن يصدّقه الفلسطينيون أو لا يصدّقوه فأمرٌ آخر. ولكن المسألة هنا تتعلق بالقيادة الروسية، ما هو بالضبط غرضها من دعوة دحلان (ومعه اثنان من مجموعته) إلى موسكو، التي شهدت في يناير/ كانون الثاني الماضي، اجتماعا بين وفدٍ سابق، برئاسة سمير مشهراوي، ومساعد وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، جاءت الأخبار، في حينه، إنه تعلّق بسبل استعادة الوحدة الفلسطينية، "في ضوء الاستعدادات للانتخابات الفلسطينية العامة"، والتي تم دفنها، وذاع في أوساط فلسطينية (مغرِضة أو غير مغرِضة) إن الرئيس عباس أماتها بسبب ما زوّدته به تقارير عن عدد معتبر من المقاعد كانت ستُحرزها قائمة محمد دحلان، ما كان سيُحرجه كثيرا، وستكون أعطابه كثيرة على حركة فتح التي تناثرت في ثلاث قوائم. والبادي أن موسكو التي تنفتح على سيف الإسلام القذافي في ليبيا (دعك من خليفة حفتر)، وقد تدعم ترشيحه للرئاسة هناك، تنفتح كثيرا على دحلان الذي خصّته بدعوةٍ، في العام 2015، للمشاركة في احتفال الكرملين بذكرى إنشاء اليونسكو (!)، وقد تفعلها وتطرح ورقته رئيسا إذا ما بوغت الجميع بالطارئ الفلسطيني إياه، ولو من باب التجريب وتحسّس الحال وجسّ النبض، وربما وجدَ أمرٌ كهذا بعض هوىً عند أجنحة ومجاميع فلسطينية هنا وهناك، سيما وأن خطوطا مفتوحةً بين الدحلانيين وحركة حماس، وقد عاد كثيرون منهم في العامين الماضيين إلى قطاع غزة بإذنٍ وسماحٍ من الحركة صاحبة القرار هناك.

وإذ جرى الإعلان في رام الله، يوم محادثات لافروف دحلان الأسبوع الماضي، أن الرئيس محمود عباس سيزور موسكو قريبا، تلبية لدعوة روسية، فإن هذا يؤشّر إلى أن تلك المحادثات، الموصولة بسوابق مثيلة، تفصيلٌ في مشهد فلسطيني ركيك، يتسيّد فيه الفراغ المهمل، ولا يشغل بالَ أحدٍ أن يقعُد أيٌّ كان فيه، ويجد فيه الروس مساحةً للعب والتجريب والمناكفة وإطلاق البالونات التي لا يحفل بها أحد، وإخراج الأرانب من أعطاف الساحر التي لا يكترث بها فلسطيني في رام الله وغيرها، ولا يلتفت إليها موظفٌ ضئيل الاعتبار في الخارجية الأميركية في واشنطن. .. لا تخرُج صورة لافروف مع دحلان وسمير مشهراوي وجعفر هديب (من هذا؟) عن كونها تفصيلا ثانويا في خريطةٍ فلسطينيةٍ شائهة، متروكةٍ لمن أراد أن يسرّي عن نفسه بأي كلام، من قبيل إنها (الصورة) رسالة تحذير إلى الرئاسة الفلسطينية، على ما تشاطَر بعضُهم .. هل هي كذلك حقا؟ سقى الله تلك الأيام التي كان جورج حبش يُستضاف في موسكو مدعوّا، أياما قبل هبوط طائرة ياسر عرفات فيها بلا دعوة.