خيار المقاطعة وترويض العلمانيات الشرسة

خيار المقاطعة وترويض العلمانيات الشرسة

08 نوفمبر 2020
الصورة

احتجاج في عاصمة بنغلادش دكا يدعو إلى مقاطعة البضائع الفرنسية (2/11/2020/Getty)

+ الخط -

يتحدّث عبد الوهاب المسيري، في كتابه "من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية: أثر الانتفاضة على الكيان الصهيوني"، عن وقع حملات المقاطعة للمنتجات الصهيونية في أثناء الانتفاضة الثانية على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية. على الرغم من صغر حجم الكتاب، إلا أنه تضمن إحصائيات وأرقاما كثيرة أشارت إلى التأثيرات الاقتصادية والسياسية لسلاح المقاطعة. تذكّرت الكتاب في أثناء الحديث، أخيرا، عن مقاطعة المنتجات الفرنسية، على رغم أكثر من عشر سنوات على قراءتي له؛ لعل السبب أن الرسالة الواضحة فيه، من دون التصريح بها، هي لا تحقّرن من المعروف/ المقاومة شيئا. يختتم المسيري كتابه بتوضيح إنها ليست معادلة صفرية، وإننا لسنا الطرف الأضعف دائما، يمكن لأفعالٍ كثيرة أن تُحدث تأثيرات كبيرة على أقوى الكيانات السياسية والعسكرية في المنطقة. وكأن المسيري يعيد الثقة بالنفس وإمكانيات المقاومة وأدواتها المختلفة.

أعادت الرسوم المسيئة للرسول (ص) ودعم الحكومة الفرنسية لها، من دون استنكار آثارها على السلام المجتمعي وحماية حقوق الأقليات، الحديث عن جدوى المقاطعة الاقتصادية، وعن مساحات حرية الرأي والتعبير داخل المجتمعات العلمانية الغربية. بالنظر إلى القضية الأولى، ما ذكره المسيري في معالجته تأثير المقاطعة الاقتصادية وافٍ بما يكفي للإجابة عمّا إذا كانت المقاطعة الاقتصادية مجدية لتحويل مواقف الدول. لكن السؤال الأهم: كيف يمكننا فهم الموقف الفرنسي؟ وكيف يمكننا فك الاشتباك بين حرية الرأي والتعبير واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية؟

أصوات من داخل الغرب ترى أن من شأن التعامل الإقصائي والاحتقاري للدين تهديد السلم والأمن المجتمعي، وإضعاف قدرة الأقليات، الدينية والعرقية

يتحدّث الفيلسوف، تشارلز تايلور، في كتابه "لماذا نحتاج إلى إعادة تعريف راديكالي للعلمانية" (2011)، إن الحضارة الغربية الحديثة تتعامل مع الدين باعتباره مساحة للميتافيزيقا والخرافة، ويوضح أن مقدار التسامح مع الرموز والخطابات الدينية في المجال العام يختلف من مجتمع غربي إلى آخر، فهناك أمثلة لعلمانيات راديكالية شرسة، في مقدمتها العلمانية الفرنسية، وهناك علمانيات أكثر تسامحًا كالحالة الأميركية أو حتى البريطانية. يضيف تايلور إن عمليات النقاش العقلاني داخل المجتمعات الغربية قامت على الاستبعاد الكامل للدين ومنطلقاته، فلا يتصوّر أن يكون الدين مركزًا أو مرجعيةً لأي نقاشاتٍ حول مشكلات المجتمع الحديث، ولا يقف الأمر عند ذلك، فتطور المجتمعات الغربية الحديثة سمح بجعل الدين ورموزه مصدرًا للسخرية أو الاتهام، أو حتى الاثنين معًا. ومن ثم يمكننا فهم الموقف الفرنسي في هذا الإطار. 

هل يصح أن يستمر الأمر هكذا؟ هل الاستبعاد الشرس والكامل للدين، والتحقير منه، مرجعية للنقاش والتداول في المجال العام، يفيد الديمقراطية والسلام المجتمعي داخل تلك المجتمعات أم العكس؟ يرى تايلور أن المجتمعات الغربية الحالية على درجةٍ عاليةٍ من التعقيد والتنوع الثقافي، وأن الاستبعاد الكامل للدين يعني استبعاد كثير من فئات ومكونات هذه المجتمعات الحديثة وخسارتها؛ فالدولة الحديثة إن كانت قد نجحت، من خلال إيجاد سياسات الضبط والتوجيه، أن تجعل الجميع على قدم المساواة منها، فإنها لم ولن تنجح في تغيير ألوان هؤلاء المواطنين أو ألسنتهم أو معتقداتهم. ومن ثم يقترح تايلور أن من الواجب السماح بدخول المرجعيات الثقافية، وفي مقدمتها، الدين للنقاش والفحص العقلاني من دون تعصب، ومن دون تقديم الدين حقيقةً مطلقةً لا تقبل النقاش.

عملية القتل التي قام بها الشاب المسلم ضد المعلم تعبير عن شعور شرائحٍ واسعة داخل الغرب بالانفصال عنه

الجدير بالاهتمام، فيما يقدمه تايلور، أن أصواتًا من داخل الغرب ترى أن من شأن التعامل الإقصائي والاحتقاري للدين تهديد السلم والأمن المجتمعي، وإضعاف قدرة الأقليات، سواءً الدينية أو العرقية، على الانغماس في المجتمع، فعملية القتل التي قام بها الشاب المسلم ضد المعلم تعبير عن شعور شرائحٍ واسعة داخل الغرب بالانفصال عنه، وكذلك الإحباط من قدرة القانون على الاعتراف بهم، وبخصوصيتهم الثقافية. ومن ثم تدور الأمور في دائرة مفرغة بين الإقصاء من ناحية، والتطرّف من ناحية أخرى. في هذا الإطار، يمكن تفسير فعل المقاطعة باعتباره محاولة لكسر تلك الدائرة، من خلال الخروج عن العنف وسيلة للاعتراض، والضغط على الحكومات لتبنّي سياساتٍ أكثر انفتاحًا تجاه الأقليات العرقية والدينية. ولكن التساؤل: هل سيفسر رجال السياسة ذلك باعتباره محاولةً للتعبير عن الغضب خارج دائرة العنف، أم أن الميراث الأوروبي السلبي تجاه الدين سيكون هو المحدّد! على صعيد آخر، هل يمكننا، نحن المسلمين، أن نعبر بوضوح أن فكرة القتل والإيذاء البدني للمخالفين، من شأنها الإساءة إلينا، ووضعنا الدائم في موقف الدفاع بدلًا من الفعل والمبادرة.