خيارات ما بعد استئناف المواجهات العسكرية
لم تصمد مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة سوى أسابيع قليلة، عاد طرفاها إلى تبادل القصف، ما يعني انقطاع الحوار بينهما وانتقاله من طاولات التفاوض إلى ميادين القتال. ولا تعود هذه الانتكاسة إلى غموضٍ في صياغة البند الخامس من هذه المذكّرة، المتعلّق بتنظيم الملاحة في مضيق هرمز في الفترة الانتقالية، كما يدّعي بعضهم، وإنّما إلى اختلاف موقع الصراع المحتدم ودوافعهما وأهدافهما منذ عقود طويلة، وعجزهما عن حسمه، سلماً أو حرباً، بالوسائل المتاحة. ولأنّ مجرّد توقيعهما مذكّرة التفاهم لم يكن كافياً في حدّ ذاته لردم فجوة عدم الثقة القائمة بينهما منذ عقود، أو حتّى لتقليصها، لم تتوافر الضمانات اللازمة لتنفيذ بنودها بحُسن نيّة، وبالتالي غاب المناخ الملائم للدخول في مفاوضات التسوية النهائية وضمان تقدّمها ونجاحها.
كان العالم قد بدأ يتنفّس الصعداء حين أعلن الوسطاء نجاحهم، بعد جهود مضنية، في التوصّل إلى صيغة لمذكّرة تفاهم مقبولة من الطرفَين، وقِّعت عن بُعد. لكن حبر هذا التوقيع لم يكد يجفّ، حتّى شرع كلّ منهما في تسويق "المذكّرة" بطريقة عكست انعدام الثقة بينهما وعدم توافر حُسن النيّة. فبينما راحت تصريحات الطرف الأميركي تروّج مقولات مفادها بأنّ الولايات المتحدة حسمت الحرب لصالحها، ولم يعد أمام إيران من خيار آخر سوى الاستسلام على طاولة المفاوضات، واتخذت إيران من هذه التصريحات ذريعةً للتدليل على سوء النيّات الأميركية المبيّتة، وراحت تؤكّد، في تصريحاتها، أنّها مستعدّةٌ لكلّ الاحتمالات، وستظلّ يدها دائماً "على الزناد". ولأنّ معظم الخبراء المتابعين أوضاع المنطقة كانوا مقتنعين تماماً بأنّ مذكّرة التفاهم رجّحت كفّة المصالح والمطالب الإيرانية على كفّة المصالح والمطالب الأميركية، ما يعني أنّ ترامب وقّعها مضطراً، تجنّباً لشبح كساد بدأ يخيّم على الاقتصاد العالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز فترة طويلة، لم يستبعد هؤلاء أن تعترض عقباتٌ كثيرةٌ الطريق عند الشروع في تنفيذ بنودها. مع هذا، لم يتوقّع أحد العودة إلى المواجهات العسكرية بين الطرفَين بهذه السرعة. فهل يؤدّي هذا إلى تغيير جوهري في مراكز الأطراف المعنية بالصراع الدائر حالياً في المنطقة وخياراتها؟
للإجابة، يتعيّن التذكير أولاً بحقيقة أنّ الطرف الأميركي ما يزال الطرف الذي يحتلّ موقع الهجوم في معادلة الصراع، وبالتالي لديه مطالب وأهداف يحاول فرضها على الطرف الإيراني الذي وجد نفسه مضطرّاً إلى التخندق في موقع الدفاع. كما يتعيّن التذكير أيضاً بأنّ المسار الذي سلكه الصراع فرض على الطرف المبادر أو المهاجم إجراء تعديلاتٍ على أهدافه ومطالبه بمرور الوقت، للتأقلم مع تطوّراته المتلاحقة. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأهداف والمطالب المُعلَنة للطرف الأميركي في بداية انطلاق هذه الجولة من الصراع كانت: تفكيك البرنامج النووي بالكامل لضمان عدم قدرة إيران على تصنيع السلاح النووي أو الحصول عليه بأيّ وسيلة أخرى، وإدخال تعديلات جوهرية على برنامج إيران لصناعة الصواريخ والمسيّرات، على نحو يضمن عدم تهديد إسرائيل، وأن تقطع إيران علاقاتها التسليحية والتمويلية بالفاعلين الإقليميين من غير الدول، خصوصاً حزب الله في لبنان، وفصائل المقاومة المسلّحة في فلسطين، وجماعة أنصار الله في اليمن. ولأنّ إيران رفضتها جميعاً، من منطلق أنّها مطالب غير مشروعة تنطوي على مساس واضح بسيادتها واستقلالها، فإنّها أبدت، في الوقت نفسه، مرونةً حول برنامجها النووي، ساعدت، في نهاية المطاف، في التوصّل إلى اتفاق مع إدارة باراك أوباما، وقّعته مجموعة 5+1 عام 2015، غير أنّ ترامب انسحب منه عام 2018، وفرض عقوبات قصوى أدّت إلى تصعيد الصراع بينهما إلى مستويات غير مسبوقة، سمحت لإيران بتخصيب ما يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم بنسبة 60%، ما حوّلها إلى دولة "عتبة نووية".
فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما المشتركة، خصوصاً ما تعلّق منها بإسقاط النظام الإيراني
حين عاد ترامب إلى البيت الأبيض، عقب فوزه بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية نهاية 2024، واصل ضغوطه على إيران بطريقة غير مسبوقة، وصلت إلى حدّ المشاركة مع إسرائيل في حربَين؛ في يونيو/ حزيران عام 2025، واستهدفت تدمير برنامجي إيران النووي والصاروخي، واستمرّت 12 يوماً، وفي 28 فبراير/ شباط 2026، واستهدفت هذه المرّة إسقاط النظام الإيراني والتخلّص منه نهائياً، واستمرّت 39 يوماً. ورغم ما لحق بإيران من خسائر فادحة في هاتَين المواجهتَين العسكريتَين الكبيرتَين، فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما المشتركة، خصوصاً ما تعلّق منها بإسقاط النظام، بل خرجت إيران من المواجهة الثانية مسلّحةً بأدوات جديدة لإدارة الصراع، أهمّها السيطرة على مضيق هرمز، وكانت السبب الرئيسي في ترجيح كفّتها في المفاوضات غير المباشرة أخيراً، وانتهت بتوقيع مذكّرة التفاهم التي لم تصمد طويلاً عقب دخولها حيّز التنفيذ، كما سبقت الإشارة.
تحاول الولايات المتحدة، من الضربات العسكرية التي بدأت تشنّها على إيران منذ أسبوع، إضعاف الموقف التفاوضي لإيران في مفاوضات التسوية النهائية، بالعمل على حرمانها من ورقتَين مهمّتَين تمكّنت من اقتناصهما وتضمينهما في مذكّرة التفاهم؛ حزب الله ومضيق هرمز. فبموجب البند الأوّل من هذه المذكّرة، ينبغي وقف الحرب في جميع الجبهات، خصوصاً في الجبهة اللبنانية، واحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي دول المنطقة، ما يعني وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وهو ما رفضت إسرائيل الالتزام به. وبموجب البند الخامس منها، تتولّى إيران مسؤولية الإشراف على تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما تحاول الولايات المتحدة التملّص منه بعد دخول مذكّرة التفاهم حيّز التنفيذ، بتبنّي تفسير خاصٍّ لهذا البند، مغاير للنصّ.
سيسعى نتنياهو إلى قطع وتخريب كلّ الطرق المؤدّية إلى أيّ تسوية مع إيران، لأنّه يعتقد أنّها العقبة الكأداء أمام قيام "إسرائيل الكُبرى"
كان من الصعب على إيران الإمساك بورقة حزب الله بالطريقة التي تريدها، في ظلّ التركيبة الحالية للسلطة في النظام السياسي اللبناني، وقبولها الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، فقد تمكّنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع الرئاسة والحكومة في لبنان، من التوسّط بين الحكومتَين اللبنانية والإسرائيلية للتوصّل إلى "اتفاق إطار" ينطوي على ألغام كثيرة، يسعى أخطرها إلى زجّ الجيش اللبناني للدخول في مواجهة عسكرية مع حزب الله، ما يهدّد باندلاع حرب أهلية في لبنان. غير أنّ الأمر اختلف حين حاولت الولايات المتحدة نزع ورقة مضيق هرمز من يد إيران. فرغم ما أبدته الحكومة العُمانية من استعداد للمساعدة في فتح ممرّ بحري في مياهها الإقليمية لعبور المضيق، قوبل رفض إيران القاطع هذه الخطوة، وإصرارها بالتالي على عدم السماح بعبور السفن للمضيق إلّا من خلال الممرّات التي تحدّدها وتشرف عليها بنفسها، بردّ عنيف من الولايات المتحدة، وتسبّب في استئناف المواجهات العسكرية.
لا يتّسع المقام هنا لمناقشة الجوانب القانونية لسلوك الطرفين إزاء هذه المسألة، لأنّ القانون الدولي لم يعد له محلّ من الإعراب في الصراع الأميركي الإيراني، لكنّ الأمانة العلمية تقتضي القول إنّ التفسير الأميركي المُعلَن للبند الخامس من مذكّرة التفاهم فيه افتئات على النصّ الذي يجيز لإيران إدارة المضيق خلال 60 يوماً، بشرط إجراء حوار مع عُمان ونقاش مع الدول الخليجية الأخرى. لذا، يصعب تفسير ردّة الفعل الأميركية العنيفة إلا بالرغبة في حرمان إيران من أهمّ أوراقها قبل الدخول في مفاوضات التسوية النهائية. وأيّاً كان الأمر، بات واضحاً أنّ محور الصراع محصور الآن في السيطرة الميدانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وأنّ إيران لن تتخلّى مطلقاً عن الإمساك بهذه الورقة طوال فترة التفاوض على شروط التسوية النهائية، مهما كانت قسوة الضربات التي ستتلقاها. ولن يكون بمقدور الولايات المتحدة تأمين حرّية الملاحة في مضيق هرمز إلا عبر سيطرة برّية مباشرة على الجزر الإيرانية المتناثرة فيه، وعلى السواحل الإيرانية المطلّة عليه، وهو خيار يصعب على ترامب أن يتخذ قراراً باللجوء إليه، لأسباب عديدة، أهمها أنّه قد يتسبّب في الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة لن تستطيع الولايات المتحدة أن تخرج منها سالمةً، وهو ما يتناقض، في جميع الأحوال، مع المبادئ التي يؤمن بها والشعارات التي يرفعها.
تحاول واشنطن من خلال الضربات العسكرية إضعاف موقف إيران التفاوضي في مفاوضات التسوية النهائية
في سياق ما تقدّم، يصبح الخيار العقلاني الوحيد البحث عن صيغة تفضي إلى وقف إطلاق النار، وإعلان الالتزام التامّ بجميع بنود مذكّرة التفاهم، وبدء مفاوضات مباشرة على الفور لوضعها موضع التنفيذ، مع البدء في تسوية الخلافات القائمة حول تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، لتصبح القضية المركزية في المفاوضات كيفية ضمان حرّية الملاحة في المضيق، وتكليف إيران بالإشراف عليها خلال فترة الـ60 يوماً، بما يضمن عودتها إلى الوضع الذي كانت عليه قبل 28 فبراير/ شباط الماضي، مع مواصلة التفاوض في الوقت نفسه على الصيغة النهائية للتنظيم الدائم للملاحة في المضيق، بمشاركة سلطنة عُمان وبالتشاور مع الدول الخليجية الأخرى، بما يتّسق وقواعد القانون الدولي، وربط دخول ما يُتوصّل إليه حيّز التنفيذ بتسوية نهائية لبقية القضايا الخلافية، خصوصاً الأموال المجمَّدة، والعقوبات، والبرنامج النووي، إلخ.
لا تُدار العلاقات الدولية بالضرورة وفق خيارات عقلانية، وسيسعى نتنياهو إلى قطع وتخريب كلّ الطرق المؤدّية إلى أيّ تسوية مع إيران، لأنّه يعتقد أنّها العقبة الكأداء أمام قيام "إسرائيل الكُبرى". ولأنّه ما يزال الأقرب إلى أُذن ترامب، فليست مستبعَدةً ألاعيبُه التخريبية، وذلك أحد أهم جوانب المأساة/الملهاة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط.