خطبة مجهولة لألبير كامو

خطبة مجهولة لألبير كامو

13 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

من الكتب غير المتداولة كثيرا للفيلسوف والمبدع الفرنسي، ألبير كامو، "المقصلة" (ترجمه إلى العربية جورج طرابيشي). وهو كتاب رأي، أشبه بمحاضرة طويلة يتلمّس من خلالها القارئ الجانب الجادّ والصارم من شخصية هذا الفيلسوف الذي يعتبر أحد رموز ما عرف بتيار العبث، وترك الحياة إثر حادث سير، وهو بالكاد في الأربعينيات من عمره.
يتحدّث كامو، في هذا الكتاب، عن إدانته حكم الإعدام في فرنسا، يبدأ بإيراد حادثة قديمة لحكم إعدام بالمقصلة، حدثت في طفولته، وكان الشاهد فيها والده. نتيجة جريمة قتل بشعة اقتُرفت في منطقة جزائرية. وكان كامو، وهو يسرد الحادثة، يتحدث عنها وكأنها وقعت في الريف الفرنسي. ولأن والده شهد إعدام المجرم، عاد إلى البيت في حالة مزرية. وظلّ أياما في حالة يرثى لها، يرفض النوم أن يزوره، على الرغم من تعاطفه مع الضحايا الذين قتلهم المجرم. وبذلك، لدوافع إدانة كامو فعل الإعدام جذور وخلفيات في طفولته. كما أنها نابعة من تأمّل عميق، فمن يقرأ الكتاب يكتشف مدى إلمام الكاتب بجوانب الموضوع الذي دعمه بأمثلة كثيرة وإحصائيات تسنُده.
يحضر الأسلوب النضاليّ الجاد لكامو في كتابه هذا، الذي جاء على هامش إبداعه الفني الموصوم بأنه العبثي، وخصوصا في الأعمال التي أهّلته ليكون أصغر الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، مثل رواية "الغريب" التي تسرد قصة شاب لا مُبال يقف قبالة جثة أمه ويُشعل سيجارة، غير آبه بنظرات كل من حوله. بل يذهب مع حبيبته، في الليلة نفسها، إلى السينما لمشاهدة فيلم كوميدي. ثم يقتل شابا عربيا بطريقة عبثية في الشاطئ، فقط لأن الشمس آذته، ولم يستطع تحمّل الحرارة المفرطة.
لذلك، لا يجب قراءة ما كتبه كامو، في "الغريب" أو في غيرها، كتغطية أو خلفية لمشروع فكري ما، وربما منهج العبث، الذي وُصمت به كتابات كامو. يمكن القول إنه ليس دعويا، كما هو الحال لدى أستاذه سارتر الذي وظف حتى الأدب لصالح فلسفة الالتزام الوجودي. بل إن عبث كامو هو، في العمق، تكهني واستشرافي لما سيؤول إليه العالم من انفلاتٍ خُلقي، كان الكاتب في العمق يدينه. بل سيذهب كامو في كتابه "المقصلة" بعيدا في إدانته، فيهجو الكحول، ونجده أحيانا يتهمها بأنها سبب كل ما يحدث من جرائم، حين يقول إن الحانات ما هي إلا آلاتٌ لتفريخ المجرمين، ردا على قول أحدهم إننا إذا سجنّا المحكوم عليهم بالإعدام ولم نقتلهم فسيخرجون من السجن بخبراتٍ أكبر في الجريمة. ولا يخلو الكتاب من عبارات واضحة في هذا السياق، من قبيل "الدولة التي تزرع الكحول لا تحصد سوى الجريمة"، في إشارة إلى مزارع الشمندر التي تُصنع من محاصيلها الكحول في فرنسا.
نبّه الكاتب الفرنسي، في خطبته "المقصلة"، إلى أن ثمّة غريزة يغذّيها الحكم بالإعدام، غريزة الموت، وأن الحكم بالإعدام لا يقلل مستوى الجريمة، بل إن جعل المجرم محروما من الحرية طوال حياته يعدّ عقابا مؤثرا، ولا يمكن تحمّله. أما أن تنتهي حياته بالموت فذلك بمثابة "مكافأة" له.. كما أن أحكام الإعدام، حسب كامو، تجري عادة في عزلةٍ عن المشاهدة، فلا يمكن معرفة ماذا يحدث خلال لحظات الإعدام، وبذلك لن تكون هناك عبرة واضحة للأحياء. ونبّه كامو، أيضا، إلى أن الحكم بالمؤبد والأعمال الشاقة يعدّ عقوبة عادلة للمتهمين بالقتل. كما أنها ستكون فرصة للتحرّيات في حالات الالتباس في بعض الجرائٔم وعدم المقدرة القطعية على إثبات التهمة، إذ استدلّ بأمثلةٍ كثيرةٍ تم فيها اكتشاف براءة المتهم، ولكنْ بعد فوات الأوان، إذ حكم عليه بالإعدام وقُضي الأمر، فلو كان المحكوم عليه في السجن لكان في الوسع إنصافه وتعويضه وهو حيّ، كما حدث في أمثلة كثيرة، منها كتابٌ أشار إليه ألبير كامو ألّفه فيكتور هيغو، وطالب بإدانة حكم الإعدام والتخلّي عنه، بسبب حكم بالإعدام، اكتشف القضاء لاحقا أن المتهم بالقتل فيه كان بريئا، ولكنْ بعد فوات الأوان.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي