خطاب الإيقاظ العام في مواجهة النيام

09 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

على لسان عبد الرحمن الكواكبي، في بيانه المفعم باللوم الإرشادي، لاح له أنْ يصوِّر الرّقي والانحطاط في النَّفس، وكيف ينبغي للإنسان العاقل أن يعاني إيقاظ قومه، وكيف يرشدهم إلى أنهم خُلِقوا لغير ما هم عليه من الصَّبر على الذُّلِّ والسَّفالة، فيذكِّرهم، ويحرِّك قلوبهم، ويناجيهم، وينذرهم؛ في هذا السياق، ينادي الكواكبي على القوم، وكأنه يمارس خطاب اليقظة والإيقاظ ليرشدهم إلى حالٍ يجب أن يتغير، للخروج من حال الذلّ والسفالة، ويحرّك قلوبهم الغافلة وعقولهم الذاهلة وأرواحهم النائمة. إنه خطاب اليقظة والإيقاظ يعبر به عن وظيفة الحكماء والعقلاء في شعوبهم ضمن خطابٍ سمّاه اللوم الإرشادي، ليصوّر لهم أحوال الرّقي والإنحطاط وتأثيرها على النفس سلبا، مناديا عليهم من كل طريق، واصفا أحوالهم البائسة ومواقفهم اليائسة وشقاءهم المقيم. وهو في هذا السياق إنما يستنكر أن هؤلاء هم ما بين الموت والحياة، فهم ليسوا بالأحياء العاملين، ولا بالأموات المستريحين، بل هم أشباح وموتى من غير أن يشعروا. "يا قومُ: ينازعني والله الشعور، هل موقفي هذا في جمع حيٍّ فأحيّيه بالسلام؟ أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟ يا هؤلاء، لستم بأحياء عاملين، ولا أموات مستريحين، بل أنتم بين بين: في برزخٍ.. يصلح تشبيهه بالنّوم! يا ربّاه: إني أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة، وهم في الحقيقة موتى لا يشعرون، بل هم موتى؛ لأنهم لا يشعرون". "يا قوم: هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس في نعيمٍ مقيم، وعزٍّ كريم، أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخُّر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل، حتى صار ما بعد ورائكم أماماً! أفلا تتبعون؟ وما هذا الانخفاض والناس في أوج الرّفعة، أفلا تغارون؟ أناشدكم الله؛ هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟".

هؤلاء القوم في معاناتهم من الشقاء العميم، الناتج عن التأخر المقيم في معركة التخلف والتقدّم، ورضاهم بكل الأمور التي تتعلق بحراستهم للتخلف والتزام السكون، ووقوفهم على حال من الجمود، فيفتقدون الإبداع والأسوة الفاعلة، تتحكم فيهم عقلية التقليد وسلوك التبعية في كل شؤونهم من فكرٍ أو تدبيرٍ يرتكنون فيه إلى الماضي لا الحاضر، لا يجيدون إلا الشكوى، ولا يعرفون أن حاضرهم الأليم ليس إلا محصّلة لماضِ سقيم، فتحكّمت فيهم عقيدة التقليد، وسادت عقلية الوساوس والخرافات، فتركوا ما يجب أن يقتدوا به من المحامد، ووقفوا على التقليد لكل أمر سلبي. تقلّب هؤلاء النوام على فراش البأس ووسادة اليأس، وصاروا يتعلقون بالأوهام والأحلام، لا يعرفون للنفوس الكبيرة حقا، ولا للإرادة معنى ولا للعزة قدرا ومقاما. "يا قوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مُبتلون بداء التقليد والتبعية في كلِّ فكرٍ وعمل، وبداء الحرص على كلِّ عتيق، كأنَّكم خُلِقتم للماضي لا للحاضر، .. ومع ذلك، أراكم تقلِّدون أجدادكم في الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلِّدونهم في محامدهم! أين الدين؟"... "يا قومُ: عافاكم الله، إلى متى هذا النوم؟ وإلى متى هذا التقلُّب على فراش البأس ووسادة اليأس؟ أنتم مفتَّحةٌ عيونكم ولكنكم نيام، لكم أبصار ولكنكم لا تنظرون، وهكذا لا تعمى الأبصار، ولكنْ تعمى القلوب التي في الصّدور! لكم سمعٌ ولسانٌ ولكنكم صُمٌّ بُكمٌ، ولكم شبيه الحسِّ ولكنكم لا تشعرون به..، ولكم رؤوسٌ كبيرة ولكنها مشغولة بمزعجات الأوهام والأحلام، ولكم نفوسٌ حقُّها أن تكون عزيزة، ولكنْ، أنتم لا تعرفون لها قدراً ومقاماً".

نوام يعبّرون عن عقلية الغباوة، فتملأ القلوب بالرعب والخوف، وتحشد في الأمخاخ تشويشا وسخافة، وهو أمرٌ يتعلق بالخروج عن حدّ الكرامة

هؤلاء الذين يتجه إليهم من هؤلاء النوام يعبّرون عن عقلية الغباوة، فتملأ القلوب بالرعب والخوف، وتحشد في الأمخاخ تشويشا وسخافة، وهو أمرٌ يتعلق بالخروج عن حدّ الكرامة والرضا بالظلم، فأقاموا مع الذل، وصاروا في السجون، حتى وإن لم يسجنوا في الحقيقة. إن هؤلاء النوام بضاعتهم تتعلق بفساد في الرأي والرؤية وفقدان الثقة بالنفس، وترك الإرادة للغير لا يمارسون رشدا، وحق هذا الرشد في الوعي والسعي، كأن هؤلاء قد استمرأوا ظلم أنفسهم مع أن الله خلقهم وميزهم بالعقل الفاهم والتفكير القائم، ولكنهم أغفلوه وأهملوه، إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وربما عبر القرآن عن هذه المعاني، حينما وصف هؤلاء بـ"ظالمي أنفسهم"، فمارسوا من الأفعال ما يكرّس أفعال ظلمهم من أنفسهم ومن المستبدّين. "يا قومُ: قاتل الله الغباوة، فإنها تملأ القلوب رعباً من لا شيء، وخوفاً من كلِّ شيء، وتفعم الرؤوس تشويشاً وسخافة .. وتحسبون، طول العمر، فكركم في الدِّماغ ونطقكم في اللسان وإحساسكم في الوجدان خوفاً من أن يسجنكم الظالمون، وما يسجنون غير أرجلكم أياماً، فما بالكم، يا أحلاس النساء، مع الذلّ تخافون أن تصيروا جُلاَّس الرجال في السجون؟"؛ "يا قوم: أُعيذكم بالله من فساد الرأي، وضياع الحزم، وفقد الثقة بالنفس، وترك الإرادة للغير، فهل ترون أثراً للرُّشد .. أم ترون أنَّ هذا النوع من الجنة به أن يظلم الإنسان نفسه؟ هل خلق الله لكم عقولاً لتفهموا به كلَّ شيء؟ أم لتهملوه كأنَّه لا شيء؟"، "إنَّ اللهَ لا يَظلم النّاس شيئاً ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون".

الإستبداد يمهد للنفوس الضعيفة والعقول السقيمة والإرادة الكليلة، فهم أشباه أموات أو أيقاظ وهم رقود

هذه العقلية لا تمارس وعيا يقوم على الإستنفار والإنذار واللوم والمراجعة والنقد الذاتي، بل إنها تمارس، على النقيض من ذلك، الندب والبكاء والتخادع والتخاذل والإهمال والإغفال، فكانوا أقرب إلى نوّامٍ لا يستيقظون وسادة خمول وأهل سكون كساكني القبور، فلا يفيقون من الثبات، ولكنهم استمرأوا الذل ومعيشة الخضوع؛ لا يحرصون على كل معاني الرّقي الدافعة، ولا عملية النهوض الرافعة، بل يطلبون انحطاطا وحياة تعيسة ودنيئة؛ ومن ثم كان هؤلاء في شكل أيقاظٍ، ولكنهم رقود، في حالٍ من الجمود رضوا بالذل، فكوّنوا من ذلك قابليات ومداخل للإستبداد عليهم والإستعباد، فليس لهم من نجاة، ولا مخرج من هذه الحال. "يا قوم: شفاكم الله، قد ينفع اليوم الإنذار واللوم، وأما غداً إذا حلَّ القضاء، فلا يبقى لكم غير النّدب والبكاء. فإلى متى هذا التخادع والتخاذل؟ وإلى متى هذا الإهمال؟ هل طاب لكم النوم على الوسادة الليّنة، وسادة الخمول؟ أم طاب لكم السكون، وتودُّون لو تسكنون القبور؟ أم عاهدتم أنفسكم أن تصلوا غفلة الحياة بالممات، فلا تفيقوا من السُّبات قبل صباح يوم النشور، ... فتمسون الأذلّاء حقاً، وحقَّ لكم أن تذلوا؟"؛ "يا قومُ: رحمكم الله، ما هذا الحرص على حياةٍ تعيسةٍ دنيئةٍ لا تملكونها ساعة! ما هذا الحرص على الراحة الموهومة وحياتكم كلُّها تعبٌ ونصَب! هل لكم في هذا الصَّبر فخرٌ أو لكم عليه أجر؟ كلا؛ واللهِ ساء ما تتوهمون، ليس لكم إلا القهر في الحياة، وقبيح الذِّكر بعد الممات؛ لأنَّكم ما أفدتم الوجود شيئاً. بل أتلفتم ما ورثتم عن السّلف، وصرتم بئس الواسطة للخَلَف" .. "يا قومُ: حماكم الله، قد جاءكم المستمتعون من كلِّ حدبٍ ينسلون، فإن وجدوكم أيقاظاً عاملوكم كما يتعامل الجيران ويتجامل الأقران، وإن وجدوكم رقوداً لا تشعرون سلبوا أموالكم، وزاحموكم على أرضكم، وتحيَّلوا تذليلكم، وأوثقوا ربطكم، واتَّخذوكم أنعاماً، وعندئذٍ لو أردتم حراكاً لا تقوون، بل تجدون القيود مشدودةً والأبواب مسدودة لا نجاة ولا مخرج".

إنه حال الإستبداد، حينما يمهد لأمر هذه النفوس الضعيفة والعقول السقيمة والإرادة الكليلة، فهم أشباه أموات أو أيقاظ وهم رقود، إلى هؤلاء جميعا يوجّه الكواكبي صيحات إنذار واستنفار إلى قومه؛ ناصحا ومؤكّدا أن للرقي وللإنحطاط سننا ماضية، هذا النداء والبيان كأنه يعالج أمورا امتدّت في الأمة ضعفا ووهنا ومهانة، وكأنه يشرح الحالة النفسية الجماعية لتلك النفوس القابلة للإستبداد والإستعباد، فتطلب عكس المقصود، فتؤثر أن تعيش إلى كل أمر يكرّس انحطاطا ولا تطلب نهوضا، فكأنها صارت وخرجت عن أحوالها وجوهرها وميولها في طلب الرقي والنهوض من جرّاء هذه الحالة الإستبدادية، وما أنتجته من أمراضٍ نفسيةٍ جماعية ومجتمعية.